يوم الشعر

ذات حينٍ من الزمان؛ يصرخ الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس: “أيها الشعر ساعدني على الخروج”، وعلى ما يجزم شاعر داغستان رسول حمزاتوف”نحن الشعراء مسؤولون بالطبع عن العالم كله..” ويُضيف: “لولا الشعر لتحولت الجبال إلى كومة من الحصى، والمطر إلى ماء آسن ومستنقع، والشمس إلى جرم سماوي مشع له قدرة حرارية.”.. أما الشاعر السوري عادل محمود فيشبّه الشاعر بأرغن الكاتدرائيات، كلما مضى عليه الزمن تعتق في قلبه الخشبي صوت الحياة، لكن الخروج من “المكان” يجعل الأرغن صندوقاً خشبياً وحسب… عتيقاً للبيع أو الذكرى.

وإذا رجعنا إلى ما قبل عشر سنوات فقط فإنّ ثمة علاقة مدهشة، وهي أيضاً ملتبسة؛ تلك العلاقة التي تحكم بين القصيدة والمتلقي، إذ تفرض العلاقة “الصّحية” بين هذين الطرفين، أن يتطورا معاً، غير أنّ المدهش بينهما أنه كلما تراجع جمهور القصيدة واندثر واندحر، كلما تطورت القصيدة، وزادت الأماسي والمجموعات والمهرجانات الشعرية وتكاثرت، ومن هنا يبدو الالتباس. ذلك أن كل هذا “الحراك الشعري” الذي غالباً ما تتم الاستزادة في تبهيره، كأن يُرافق الأمسية الشعرية الموسيقا والمسرح وحتى بالفنون التشكيلية عسى يتم بذلك “القبض” على متلقٍ ما، غير أن كل ذلك الإبهار والتبهير، لم يحدث لدى المتلقي سوى جلبة عابرة، بل إن الكثيرين شبهوا هذه الأماسي الشعرية بمجالس عزاء شعري.

ليس معنى ما تقدم، أن فنون الإبداع الأخرى هي بحالة تصالح مع هذا المتلقي التائه في دروب آخرها درب القراءة، وإنما نذكر الشعر، لأنه الإبداع الوحيد ربما يُمكن للعرب أن يكونوا قد أنجزوا من خلاله ما يُعتدُّ به أكثر من أي إبداعٍ آخر، وإن كان للسوريين، أي للشعوب القديمة في بلاد الفينيقيين والعراق أن أبدعوا إلى جانب الشعر فنوناً أخرى كالنحت وغيره من فنون، لكن العرب بشكلٍ عام كان ميدانهم الإبداعي ولايزال إلى اليوم هو القصيدة، ولا يغرنك الحديث المتخم بالنشوة عن “ازدهار الرواية”.

مع ذلك، ورغم كل هذه القدامة الشعرية، وعمق القصيدة في الذهنية العربية، فقد بقيت الملتقيات التي تُقام من أجلها مصابة بالانغلاق على فئة معينة، ملتقيات ومهرجانات وأماس تأتي مباغتة كما الفصول، تعد بالكثير، لكنها غالباً ما تبخس حتى الخيبة، مهرجانات تُعقب بانطفاء سريع للوهج الذي يتجلى خُلبياً، ولم يبق غير تمجيد الرماد.. مع ذلك سأزعم إن الشعر أمسى اليوم بخير، وقد تغيرت حوامله لاسيما بعد موجة الميديا الجديدة على مواقع التواصل الاجتماعي الذي تغص جدرانه بنصوص شعرية وإن تفاوتت مستوياتها لدرجة نزق الكثير ممن يدعي النقد والشاعرية.. ذلك أنه – على ما يرى عادل محمود أيضاً – قد يخرج شاعر من المستنقعات، ويبقى نظيفاً، وقد يسكن قصراً ويصبح قذراً.. ونختم بقول لباسترناك: “إن شخصاً رديئاً لا يمكن أن يكون شاعراً “.

هامش:

أنتِ؛

المدينةُ الفاضلة

في هذا الكون،

التي

لا أشعر فيها كغريب

بالوحشة،

وقلة الأصدقاء.

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار