في غابة النصوص

يمكن أن نقرأ النص بروح العصر- كما يرى أدونيس- بعكس الحركات المُضادة الأخرى التي ترى أنّ يستوعب سلفاً كلّ شيءٍ، وفيه الأجوبة على كلِّ الأسئلة.. فالنص هو قراءته وقراءتك للنص هي النص.. ومنذ أن أنس شيوخ التصوف استخدام “الكتاب” اسماً وصيغةً تسبق مصنافاتهم وتأليفهم، التي امتازت بالتنوع والتجريب، لا يزال الهاجسُ دائماً لتغييب “نوع” الجنس الإبداعي لدى الكتّاب عن غلاف ما يصدرون من كتب للوصول لما صار يُسمى اليوم “الكتابة عبر النوعية” ألم يفعلها أدونيس في “الكتاب” كما وسم أحد إصداراته ذات حين..؟!!
ورغم أنّ الدعوة للكتابة عبر النوعية قديمة بعض الشيء، تنشط في أزمنة وتخبو في أخرى، مع ذلك لا يزال الكثير يرى أنّ ثمة مشروعية في استمرارها في ظل انقراض واندثار بعض الأنواع في الكتابة مثل: المقامات، الوصايا، أدب المراسلات، وأدب الرحلات على سبيل المثال، وفي ظل ازدهار تداخل الأجناس والأنواع، بحيث يستحيل للنوع الواحد أن يقوم بالمهمة الإبداعية بمفرده دون الاتكاء على الأنواع الأخرى..
عندما سألت ذات تحقيقٍ ثقافي بعض الكتّاب السوريين، يكتبون بأجناس إبداعية مختلفة: هل حان زمن التخلص من الجنس الأدبي لمصلحة النص فحسب..؟ كان لدى أغلبيتهم ريبة من هذا القفز – على حد وصفهم – فوق الحواجز والحدود بهذه الطريقة، التي وجد فيها البعض خطورة تصل حد التهور، ومن ثمّ فهي دعوة غير مجدية..
لكن إذا ما وضعنا تخوّف الكتّاب جانباً، وألقينا نظرةً على حركة التطور التاريخية لمسيرة الأنواع، والأجناس الإبداعية على تلوّنها، وتنوّعها، سنجد إنه في منعطفات كثيرة، كان ثمة التهام لبعض الأجناس الإبداعية لبعضها الآخر، أو افتراسها.. وأحياناً انزياح، وتماهي كامل الجنس الإبداعي في أجناس أخرى يصل حد الانقرض.. فقد قسّم “ك فانسان” الأدب في أول نشوئه إلى شعر ونثر، الشعر بدوره قسمّه حسب اتجاهاته إلى أربعة أشكال: الملحمي، الغنائي، المسرحي، والتعليمي، فيما أجناس النثر كانت أقسامه: الخطابي، التاريخي، الروائي، التعليمي، والرسائل.. وإن نظرنا بين الأنواع الأولى للأدب على سبيل المثال، وبين واقع الأنواع الأدبية اليوم، فسنجد أنّ جميع تلك الأنواع قد اختفت الآن، وإن بقي نوع فهو في تحوّلٍ إلى أشكالٍ جديدة، وإذا ما قارنّا بين هذا النوع في بداياته، وبين شكله الجديد نصيرُ كأننا أمام نوعٍ آخر تماماً ولا علاقة له بشكله الذي نشأ منه.

هامش:
………….
لا يزالُ
على عادتِه المُزمنة؛
ينسى دائماً أنه سبّاحٌ ماهرٌ
في كلِّ مرةٍ
كان يُحاولُ فيها
الانتحارَ غرقاً..

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار