في الأثر التكويني للمغالطة.. مغالطة الاحتكام للحشود نموذجاً

أسمّيها كذلك، ولها اسم آخر، هو مغالطة الاحتكام إلى العوام. وهي مغالطة رائجة في شتّى الحقول، ويستعملها السياسوي في الاستقطاب كما يستعملها الأيديولوجي الديماغوجي في عملية الالتفاف على البراهين العلمية.

وحظّ الحشود التي لم تألف المعاقرة المسؤولة والعميقة للحقائق -وليس ذلك من شأنها- من هذه المغالطة، كبير.

ولأدوات التواصل الاجتماعي دور في تسهيل المهمة على هذا النوع من المغالطة، لأنّه لا يوجد رقيب علمي على ما يُلفظ، وهذا ما ساهم في التدهور التاريخي للحقيقة.

لا يمكن الاستغناء عن الانفعال، ولا يمكن القول إنّ سبب كل خطأ هو الانفعال، فأهل الحقيقة ينفعلون أيضاً، ولكن انفعال المغالطة له ميزاته، لأنّه التفاف مُبيّت يترك أثره على طبيعة الانفعال نفسه. تستطيع أن تدرك ما سنسميه بمغالطة الانفعال نفسه، وهو ما لم يُبحث في المغالطة، ولكن أهمية ذلك تكمن في أنّ المغالط لا يستطيع أن يحافظ على انفعاله بصورة تتناغم مع طبيعة التوتّر الطبيعي الذي يفرزه عنف الأحداث.

تستطيع أن تميز بين انفعال المنافق وانفعال الصّادق، فالأوّل يفقد شحنته، وانسجامه، وتستطيع قراءته في سياقه.

علينا أن نميّز بين المغالط صانع المغالطة، وبين ضحايا المغالطة وحامليها؛ وهنا تكمن واحدة من الصعوبات التي يتعيّن على المنطقي أن يقف عندها مليّاً.

يطلب المغالط الحقيقة من الحشود، والعوام، ويُحيل أهل المعرفة على مدارك الجمهور، وصورة هذه المغالطة: «هذا مخالف لرأي الناس، هذا لا يوافق عليه معظم الجمهور، هذا غريب لم نسمع به.. وهكذا».

في المدارك العُليا للعلم، أدركنا أنّ هذه المغالطة تؤسس لقاعدة خطيرة على حساب المعرفة؛ والغريب هو أنّ الإعلام اليوم يسعى إلى وضع مغالطاته في أفواه الجماهير، ثم يعود إليها في استصراحات “الميكرو- تروطوار”، ليجعل منها خطاباً للحقيقة.

يتم صناعة الزيف في غرف عمليات التآمر على المتلقّي، ثم تنزل إلى الشارع بوسائل مختلفة من وسائل التّحكم، ثم تعود إلى الشاشة مجدداً، يصبح رأي الحشود مرجعية بعد أن كان صناعة مُمنهجة.

لم يكتف برتراند راسل باتباع رأي العلماء الذين لم يأبهوا بشهرة الوقائع على حساب حجّتها، بل ذهب أبعد من ذلك بأن جعل الانتشار الأوسع للأفكار قرينة على سخفها.

هناك زيف تنطوي عليه مغالطة الشعبوية والاحتشاد، وهو الخلط بين حقّ التعبير وشروط المعرفة الصحيحة، وهكذا يحاولون جعل مصير الحقيقة في صناديق اقتراع.

علينا أن نتحلّى بالدّقة ونحن نلاحق هذا النوع من المغالطات، فقد يكون أحد أشكالها غير شعبوي المظهر، وينأى عن رأي الجمهور، لكنه يرتكز عليه بشكل آخر، وهو الإحالة إلى العلماء بمنطق العوام، وصورته أن يدعي المُغالط بأنّ رأيه هو رأي عموم العلماء، سائر النخبة، فيجعل المغالطة نفسها أكثر تعقيداً من الأولى.

لا يستند المغالط الذي يحيل على حشد العلماء والنخبة بصيغة شمولية، أي الإجماع، على مقدمات برهانية أو إلى استنتاج، هو في مقام الإحالة على حشد في صورة نخبة، وليس له ما هو مُقنع حول آراء العلماء، ولا يميز بين آرائهم ومدارسهم، ولكن بالجملة يُحيل على العلماء، وعادة ما يستعمل صيغة: «قالوا..».

علينا -إن كنا نريد ضبط أنواع الآراء التي تنتمي لعائلة هذه المغالطة- أن نتوقّع الكثير من أشكال التعديل الذي يلجأ إليها المُغالط، فهو يتجنّب الاستدلال، ولا يكشف عن مقدماته ولا عن أي شكل من أشكال التعاقد المنطقي مع خصمه، ومن هذا النوع ما إن تقترب من تفاصيله، ستجده شكلاً غير قابل لأن تحكم عليه لا بباطل ولا بصواب، ولكن هذا يشكّل البيئة الحاضنة لنمو كل أشكال المغالطات الأخرى.

تشكل مغالطة الحشد والإحالة على الجمهور شكلاً من الحرب النّفسية القذرة، أي حينما تصبح الحقيقة لا تُنْتَج في مختبرات البحث العلمي بل تنتج في “الميكرو- تروطوار”، وهو رجع صدى للزيف الممنهج الذي تنتجه غرف عمليات الإعلام نفسه، قبل العودة لالتقاطه من الشارع.

لعلّ من فروع هذا الشّكل من المُغالطة هو: المزايدات، وما أكثرها كظاهرة تسكن بلاتوهات ما يسمّى ببراءة «الفضاء العمومي للنقاش» وصفحات التواصل الاجتماعي، أي ذلك النوع من المُغالطات التي تستند إلى شعارات ديماغوجية والالتفاف على حقائق التاريخ والجغرافيا والسياسة والعلم بشكل عام، لصالح التهريج الذي تُخفيه الشعارات؛ هو في عمقه شكل من الهروب من شروط الاحتجاج العلمي، يستقوي بالهزيل من المعطيات والأدوات لإنتاج حالة متدفقة من الزّيف الذي يملأ الفضاء.

يتمترس المُغالط أحياناً بمفاهيم توحي بأنّه بصدد التشارط حول الحدّ المطلوب من الاحتجاج العلمي، ولكنها مفارقة أخرى داعمة لسائر أنواع المغالطات، وهي التي أسميها بمغالطة التّمثّل الزّائف للمفهوم، وهي التي جعلت مهمّة القبض على المُغالط بالجرم المشهود مهمّة بالغة التعقيد، لاسيما حين ندرك بأنّ بحر المغالط هو الحشد والعوام، فهو ينزلق مثل «الترويت» بين الأصابع في نهر العوام، ويصعب اللّحاق به، حتى يصبح كارثة على الجمهور. قد يكتشف الجمهور هذا المُغالط لكنه لن يكتشف بنيته، لتبدأ الرحلة تلو الأخرى في مسار أممي حافل بهذا اللّون من الديماغوجية الفجّة.

ليست مهمّة رجل المنطق صعبة أمام هذا النوع من المغالطين، لأنّ المنطقي كاشف عن هشاشة المغالطة وزيف المغالطين وتفاصيل هذا الانزياح، وإذ لا يشاركه الجمهور هذا الوعي، فهو يأخذ بأسباب اندحار المغالطة من خلال استعمال الزّمن الموضوعي لاستعمال المغالطة في قبالة الزمن الاجتماعي لاستعمالها، بل إنّ أخشى ما يخشاه المغالط أن يُواجَه منطقيّاً وجها لوجه، فهو عادة ما يختبئ داخل مزايداته أو انزياحاته، في صورة هارب.

لن يستطيع المغالط أن يهزم ديكارت أو راسل أو هيوم أو نيتشه، بغضّ النظر عن اختلاف وجهتهم، ذلك لأنّ المغالط يحتجّ باللاّحجّة، يواجهك في حالة هروب، يستنجد برأي الجمهور، بينما الجمهور ينتظر الحقيقة من العلماء.

لا زالت رؤوس العوام أو من هم في حكم العوام -حتى لو امتطوا صرح النُّخب- مشحونة بهذا النوع من المغالطات؛ يَحسبون أن ترديد الشعارات وصبّها في موارد المزايدة، قد يعفيهم من المهمة التاريخية للاحتجاج؛ ولا شكّ أن المغالطة تتيح لأصحابها شعوراً واهماً بامتلاك مدارك الحجّة والبرهان، لكنهم واهمون، وهم في حاجة دائمة للحشد لكي يُكمّل أعطاب خطاب المغالطة؛ يكذبون على العوام لكنهم يتمترسون بهم ضدّ أهل الحجة والبرهان.

استهلاك مغالطة الاحتكام إلى الجمهور، بات أمراً فاحشاً، ومع مرور الأيام لم يعد مسألة سوء تقدير وتراجع في التفكير الصحيح، بل مثل هذا الإدمان يُوشك أن يُخرّب ملكات التفكير الصحيح نفسها، ويؤثّر حتى على خلايا الدّماغ البشري، وهذا من شأنه أن يؤثر في المدى البعيد على الهيكل الجسدي نفسه.

لا زلت أتصور الشكل الذي ستكون عليه البشرية إن هي مضت على هذا النوع من التفكير الزائف على أسس إعادة توزيع الزيف نفسه بين غرف عمليات الزيف والرأي العام الذي هو صناعة لها، قبل أن تجعل منه وسائل الإعلام مرجعاً في حسم الآراء المتداولة. قد يتأثر الدماغ البشري في المدى البعيد بهذا النوع من المغالطة التي تشجع على الكسل والجمود، ولا تُنشّط بما فيه الكفاية، مساحات كبيرة وخلايا كثيرة في الدماغ البشري، وقد يؤثر هذا بدوره على الجسد والنظام الجيني نفسه، وقد لا نستبعد أن يدي الإنسان ستطول أكثر وتدنوا من الأرض، في انتظار أن يمشي على الأربع، وحينئذ فقط سيصبح كائناً جادّاً.. هناك لن نتحدّث عن المغالطة إياها، لأنّ الحيوان متصالح مع طبيعته، فما نسميه بمغالطة الاحتكام إلى الحشد والجمهور، ستصبح طبيعة بمثابة الاندماج الطبيعي في القطيع.

ستسألني عن التعريف المنطقي للإنسان؟ وسأجيبك: لقد فقد الإنسان ميزته، وهو في كل مغالطة من هذا القبيل يفقد خاصية كائن عاقل. فلا زلت أعرّفه بالحيوان الذي يناهض ملكاته، وهو في الطريق للتخلّي حتى عن ميزة المشي منتصب القامة. هنا وجب أن ندرك التفسير المنطقي لتجسّم الأعمال، وأيضاً الأثر التكويني للمغالطة.

كاتب من المغرب

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار