وراء السُّطور

«السّيِّد زومَّر» رجلٌ غريب الأطوار لأنّه منذ وصل من مكان مجهول، إلى القرية الصّغيرة التي تقسمها بحيرة إلى «فوق» و«تحت» جاء ماشياً على قدميه مستعيناً بعصا من شجرة كستناء، بينما وصلت زوجتُه، صانعةُ الدّمى في الحافلة! وسيظلُّ يمشي طوال أحداث الرّواية التي كتبها الألمانيّ «باتريك زوسكيند» باسم «حكاية السّيّد زومَّر» و يا لها من حكاية!
الراوي يسرد حياة طفل بأسلوب الكاتب الذي أبدع رواية «العطر» فلا يكاد القارئ يلمس الأحداث إلا من جَمْع ضبابٍ أو أنداءٍ عن ورق شجر وسطح بحيرة، فسلاسة السّرد تتغلغل في حياة أسرة فيها ولدان وبنت، حين تجتمع على مائدة الطّعام تتكشف عنها المستويات الثقافية والمعرفية: اهتمام الأب بالخيول واكتظاظ مكتبته بخمسمئة مرجعٍ عنها رغم أنّه لم يركب حصاناً في حياته، والابن الأكبر قرأ كل حكايات «الأخوين غريم» والبنت تنقل معارفها عن صديقتها والأم تفسّر سلوك الآخرين على قواعد علم النّفس التي استقتها من طبيب معروف، والطّفل الرّاوي يرصد ويسمع ويعيش عذابات نموّه، خاصّة في إجباره على تعلُّم العزف على البيانو عند معلمة عجوز، شرسة في الدّفاع عن لقب آنسة، وعلى ركوب درّاجة غير مناسبة، تنقله إلى بيت المعلّمة الشرّيرة!
لكن القارئ ما يلبث أن يفهم أنّ السّهْلَ الممتنع ليس إلا فخّاً انزلق فيه، ففيما وراء اليوميّات العائليّة الدّافئة، هناك زمنُ ما بعدَ الحرب العالميّة الثّانية الذي أفقر البلاد وجعل الحصول على الخبز عناءً وبطولة، أما الحركة التي بدأت تسري في القرية فقد احتاجت إلى زمن سلامٍ طويل لفتح المدارس وتكاثر الحوانيت وزيادة السيارات، وما يلبث القارئ أن يعثر على خفايا أخرى وراء السطور، حين يلحظ أنّ السيّد «زومَّر» يواصل المشي بلا توقُّف كالموسيقا الخلفية لفيلم طويل، وخلاله يقول الأب ناصحاً، بشكل عرَضيّ، ألا يستخدموا جملاً مبتذلة، غبيّة، في علاقاتهم مع النّاس على طريقة الأفلام الأمريكيّة، من نمط: اشربي كأساً من الشّاي يا عزيزتي فهو مفيد لك! ثمّ نرى العائلة من دون تلفزيون لأنّه حسب الأب يقوّض ممارسة الموسيقا المنزليّة ويخرّب العينين ويضعضع الحياة العائليّة ويؤدّي بصورة عامة إلى الغباء بمسلسلاته الأمريكية!
هكذا هجا الكاتب، وراء السّطور، على طريقته،«الثّقافة» الأمريكيّة هجاءً مرّاً وجعل نقيضها السّيّد زومّر الذي عاش في الطّبيعة على سجيّته ثم أغرق نفسه في البحيرة، لأن المناخ المحيط غلبَه بقوّته وعدائه!

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار