هل فعلاً الاقتصاد أولاً أم..؟!

أتابع قرارات الرئيس (دونالد ترامب) وهو الرئيس /47/ للولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة ما يتعلق منها بسياسته الاقتصادية التجارية، واعتباره أن الصين هي (العدو الأول) مقابل توجهه لعودة موازين القوة وتحت شعار (أمريكا أولاً)، فهل سيتحقق هذا في ظلّ المتغيرات الدولية؟ وكأني بالرئيس الأمريكي ينطلق من أن المؤشرات الاقتصادية الحالية تشير إلى أن الصين ستزيح (أمريكا) عن رأس الهرم الاقتصادي الدولي، كما أزاحت كلاً من (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا) وغيرها، علماً أن الصين في السنوات الأخيرة حققت أكبر معدل نمو اقتصادي في العالم يتجاوز بشكل وسطي /5،4%/ سنوياً، وهذا يؤهلها لتكون الدولة الأولى اقتصادياً وقريباً إذا سارت الأمور بهذا المنحى أي من دون حدوث شيء مفاجئ مثل (حرب كبيرة دولية عالمية..الخ ) ونرجو ألا يحصل ذلك لأن العالم لا يحتمل حرباً عالمية ثالثة.
من باب المقارنة بين الاقتصاد الصيني والأمريكي بين سنتي /2000و2024/ فقد كانت قيمة الناتج الإجمالي الصيني سنة /2000/ حوالى /1200/ مليار دولار والأمريكي بقيمة /10250/ مليار أي إنه أكبر منه بحوالي /9/ أضعاف، أما في سنة /2023/ فأصبح الاقتصاد الصيني /17800/ مليار دولار والأمريكي /26360/ ملياراً أي إنه أكبر منه بحوالي / 1،5/ مرة فقط، والفارق سيقل خلال السنوات الخمس القادمة بسبب التفاوت في معدل النمو الاقتصادي بين البلدين، وترافق هذا مع تفوق صيني في التجارة الخارجية، فقد أكدت بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية في تشرين الأول سنة 2024، بأن الصين هي أكبر دول العالم تصديراً، حيث بلغت صادراتها سنة /2023/ قيمة /3380/ مليار دولار شكلت من إجمالي الصادرات العالمية البالغة /24000/ مليار دولار أي أكثر من /14%/، ومنها /448/ مليار دولار إلى أمريكا.

وتؤكد الأدبيات الاقتصادية الأمريكية بأن الميزان التجاري (الصادرات ناقص – المستوردات) السلعية بين الصين وأمريكا هو لمصلحة الصين، فهل هذه الأسباب مع غيرها دفعت الرئيس الأمريكي المنتخب لاتخاذ قرارات حمائية للاقتصاد الأمريكي، ومنها نذكر: زيادة الرسوم الجمركية والضريبية والحواجز التجارية لأمريكا مع دول العالم، وخاصة الصين وبحدود /60%/ على السلع ذات المنشأ الصيني، كما وجهّ ترامب تهديداً للصين بأن الرسوم الجمركية ستزداد إلى (150%- 200%) في حال قامت الصين بضم (تايوان) التي تعتبرها جزءاً من الدولة الصينية، بينما تعتبرها أمريكا (مقاطعة انفصالية) وليست دولة، علماً أنها تدعمها بشكل كبير وخاصة في مجال الأسلحة!

صرح ترامب سابقاً بقوله: (إذا عدت إلى البيت الأبيض فسأمنع الصين من محاصرة تايوان)، ومعروف أن أهم الأسباب التي دفعت وتدفع أمريكا للاهتمام بجزيرة تايوان هي أنها أكبر تجمع (أشباه الموصلات والإلكترونيات وتنتج أكثر من /65%/ من الرقائق الإلكترونية العالمية)، وهذه الصناعات هي أساس الصناعات الفضائية والعسكرية المتطورة وغيرها.
أمام كل هذه التهديدات الأمريكية التجارية كان الموقف الصيني متوازناً، وقالت الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الصينية السيدة (ماو نينغ): “إن سياسة الصين متسقّة ومتناغمة في هذا الخصوص، سنواصل النظر إلى العلاقات الصينية- الأميركية، والتعامل معها وفقاً لمبادئ الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والتعاون المربح للجانبين”، وكان الرد الأمريكي بعد هذا التصريح أن تمّ تعيين السيد (ماركو روبيو) ذي الأصل الكوبي وزيراً للخارجية الأمريكية وقال عنه ترامب: (إنه مدافع شرس عن أمّتنا وصديق حقيقي لحلفائنا ومحارباً باسلاً لا يتراجع أبداً في وجه أعدائنا، ومعروف عن روبيو (موقفه العدائي من الصين وروسيا وإيران وفنزويلا ومطالبته الدائمة للكونغرس الأمريكي بفرض أشد العقوبات على هذه الدول ومنعها من التصدير ليعود التوازن للاقتصاد الأمريكي ويستمر في قيادة العالم في هذا القرن الذي يجب أن يكون قرناً أمريكياً كما كان في القرن العشرين، علماً أنه من أكثر الداعمين لحركات الإيجور الانفصالية في الصين.. إلخ.

وهنا نسأل إلى أين تسير العلاقة بين الصين وأمريكا وهما الاقتصادان الأكبر في العالم، وهل ستتزايد الخلافات وتستمر الحرب التجارية بينهما، والتي قال عنها ترامب سنة /2018/ وبتصريح غريب: “إن الحروب التجارية مفيدة ويمكن الفوز بها بسهولة ، ولكن هذا سيؤدي ومن باب ربط النتائج بالأسباب إلى تراجع سلاسل التوريد والإنتاج ومعدل النمو الاقتصادي والناتج العالمي والمنافسة والتدفقات الاستثمارية وبالتالي تزايد الضغوط التصعيدية لارتفاع الأسعار العالمية وخاصة لحوامل الطاقة والتقنية المتطورة وصراع العملات ومستوى الحرب الباردة ومعدلات التضخم وعدد الاحتكارات الدولية والحروب وبؤر التوتر الاجتماعية وعدد المهمشين والفقراء ومستوى الكساد ومن ثم الركود الاقتصادي.. إلخ؟ وفي هذه الحالة سيتم تجاوز قرارات منظمة التجارة العالمية وهي أكبر منظمة تجارية عالمية وتشكل /98%/ من الناتج والتجارة العالمية وتضم /164/ دولة عضواً فيها، وتدعو إلى (إلغاء الرسوم والقيود الضريبية والجمركية وحصص التوريد والحواجز التجارية، وقد أرسيت مرتكزاتها من قبل الإدارة الأمريكية سنة /1995/ في مدينة مراكش المغربية عندما كان الاقتصاد الأمريكي هو الأول في كل المؤشرات، ولكن تغير معالم القوة الدولية اضطرت الإدارة الامريكية لاستبدال منظمة التجارة العالمية ونهجها بالنهج (التجاري أو المركانتيني) الذي ظهر في الفترة بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، وجوهره: “فرض قيود وحواجز تجارية على المستوردات وزيادة الصادرات لتحقيق فائض في الميزان التجاري والحصول على الذهب والفضة، المعدنين الثمينين، وهما أساس الثروة والغنى في ذاك الوقت، وهذا مخالف لمبدأ الرأسمالية والليبرالية التي تعتمد على شعار (دعه يعمل دعه يمر)”، وهذا يؤكد أن كل الدول تختار النهج الاقتصادي الذي يناسبها لأن الاقتصاد أولاً والقوة الاقتصادية هي الأساس المادي لكل أنواع القوى الأخرى، والدول القوية اقتصادياً تفصّل المقاييس على قياسها وبما يناسبها فقط. مثل حقوق الإنسان والشرعية الدولية!.

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار