أتفكّر في حالنا وحال الإجراءات الوقائية ضد (كورونا) في كل مكان حولنا؛ وتستدعي الذاكرة بمنطقها العجائبي حادثة طريفة مما قبل الحقبة (الكورونية) الجهنمية؛ إذ التقيت مصادفة بزميلة متثاقفة، وبعد المرحبا والسلام قالت لي: أنت معزومٌ على محاضرة في المركز الثقافي عن الحَوْكمة…
استوقفتها فوراً وعلّقتُ: بالله عليكِ؛ أَبَعد هذا الزمن (تعزمينني) إلى جلسة تعذيب بدلاً من صحن (ملوخية) أو (طنجرة مجدّرة) مع البصل الأخضر و(رشة) ملح؟. وأضفتُ (مُحركشاً): ثم ما هذه الحوكمة؟ ماذا تعني بشرفك؟.
انتفضتْ كأنني قلت شتيمة، وصارت تُشرِّقُ بكلمة ممتعضة وتغرّبُ بأخرى انكليزية:( No Way.. impossible.. ما بصدّق…)ألا تعرف معناها؟..
لكنني استوقفتها بذكورية واضحة ومقصودة: لحظة.. وهل تعرفين معنى الابيستيمولوجيا، والدوغمائية، والاستيطيقا، والفينومينولوجيا؟. فيما قوس حاجبها يزداد تقوساً ورموشها الاصطناعية ترفرف وابتسامة امتعاضٍ على وشك الهبوب. لكن، شكراً لله، توادعنا بسرعة البرق قبل هبوب العاصفة بيننا.
وقبل أن يتهوّر أحدكم ويسألني عن معاني تلك المصطلحات الغائمة. عليكم بـ”عمّنا” غوغل أو مولانا المعجم الفلسفي لتعرفوا؛ أنا ما دخلني.
لكن فعلاً وحقّاً وواقعاً ماذا تعني الحوكمة؟ كيف هو أداء الجهات الحكومية وإدارتها لشؤون حياتنا المحجورة هذه؟ وهل تكفي النوايا الصادقة عند المعنيين لتكون أفعالهم صادقة وصحيحة ومثمرة؟ هل تكفي إطلالاتهم الإعلامية لتجعل حياتنا أكثر حياةً وتنفّساً بدلاً من جحيمِ ما نحن فيه؟
مثال صغير بحجم كارثة؛ يقول المعنيون: المهم أننا مازلنا ننتج خبزاً, بينما يقول الناس: أمّا كيف ينتجونه وكيف يوزعونه وكيف يصل إلينا ؟ يبدو أنه غير مهم بالنسبة لهم. الأهم هو أن تأكل وأنت توهم نفسك بأنك تأكل خبزاً طيباً شهياً ولذيذاً… لكنه فقط مغمّس بنكهة البؤس والقليل من القهر.