مخطئ من يعتقد أن إعلان الولايات المتحدة الأمريكية الكفّ عن تزويد من تسميهم «المعارضة المعتدلة» بالسلاح هو صحوة للضمير الأمريكي، وفهم حقيقي للأزمة في سورية، وإعادة «جردة حسابات» على الإرهاب..
فإعلانها ليس إلا إعادة تموضع «للبيدق» الإرهابي الأمريكي، والبحث عن تكلفة أقل في استثمار الإرهاب في المنطقة، بما يحقق مكاسب مضاعفة وبأقل التكاليف..!!
ما أعلنته وسائل إعلام غربية عموماً وأمريكية خصوصاً، ومنها محطة «فوكس نيوز» عن وجود 10 قواعد أمريكية في الشمال السوري، إضافة إلى «نقطة» وجود عسكرية أمريكية في معبر التنف، على المثلث الحدودي السوري- الأردني- العراقي، ما هو إلا تسليم بواقع حال، وكفّ يد الوكلاء «المعارضة» لفشلهم في تنفيذ ما خططه أسيادهم وعجزهم عن الاستمرار واستبدالهم بـ«الأصيل».
الكاتب السياسي البريطاني فينيان كالينيغ وصف حال البيت الأبيض بالمهزوم في سورية، وذلك في موقع «أوبيدنيوز»، إذ قال: «إن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً عن توقفه عن إرسال الأسلحة للمسلحين في سورية هو اعتراف بالهزيمة»، ويتابع الكاتب: «إن هذا القرار لا يعني أن واشنطن وحلفاءها سيسحبون ما لديهم من وحدات برية أو تدخل جوي بذريعة محاربة الإرهاب في سورية، رغم أن هذا الوجود غير قانوني وغير شرعي ويعدّ انتهاكاً للقانون الدولي».
وهذا التوصيف لم يسجل لكالينيغ فقط، بل سبقته اعترافات مسؤولين عسكريين ودبلوماسيين أمريكيين، إذ قالوا: «إن وجود قوات لبلادنا على الأراضي السورية واستهدافها القوات السورية يفتقد لأي أساس قانوني دولي».
إلا أن كالينيغ تجرّأ أكثر حينما وصف القرار بأنه مؤشر لمرحلة تغلبت فيها سورية وانتصرت على أكبر الدول التي وظّفت كلّ قدراتها وقدرات حلفائها بهدف «تغيير النظام» وتفتيت سورية ولم تنجح في تحقيق هذا الهدف.
ونعود لنؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية قد أوقفت عملياتها العسكرية ودعمها اللوجستي والمعنوي لما يسمى «المعارضة السورية»، إلا أن التطلعات والتخطيطات وهوى الحلفاء والأساليب والتنقلات الميدانية «لبيادقها» في السنوات الأولى للحرب على سورية قد تعرضت لتغييرات وتبدلات كبيرة، فرضت على واشنطن تحويل مسألة التدخل في الحرب على سورية من عملية «سرية» مخابراتية تديرها غرف وأجهزة المخابرات الأمريكية إلى حرب أوسع وأكبر، ومكشوفة «تحت ضوء الشمس» يديرها الجنرالات الأمريكيون.
الدولة السورية ورغم تغييرات «الحرباء» للونها السياسي وأشكالها على الأرض، لم تغير من رؤيتها شيئاً، فالدولة السورية لا تقبل بأي «انتشار» أمريكي على الأرض السورية، وهو ما يؤكده الموقف السوري الرسمي في كل المحافل الدولية، ويمارسه الجيش العربي السوري سلوكاً بطولياً في ميدان الجغرافيا السورية، حيث كل قوات أجنبية تتدخل في سورية من دون دعوتنا وموافقتنا على وجودها أو إذننا والتشاور معنا هي «قوات غازية».
الإعلان الأمريكي بـ«الكف عن تزويد المعارضة السورية بالأسلحة»- هذه المعارضة التي أنتجتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، ولدينا ألف تحفظ عليها بأشكالها وتلوناتها- ما هو إلا دسٌّ للسمِّ في العسل، وهو ما لم ولن ينطلي على الدولة السورية، فسورية دولةً وحكومةً وشعباً تعرف جيداً كيف تفرّق ما بين الصديق والعدو..
وسورية إذ تراهن، فهي تراهن أولاً وأخيراً على قوة وإرادة وصمود شعبها وجيشها، فهم في النهاية الحامل الأساس لأمنها وأمانها وسيادتها، وتثق أيضاً وتراهن على حلفائها، وكل ما عدا ذلك ليس إلا ترّهات أفعال يصدح بها «ديوك الساعة».
m.albairak@gmail.com

print