معرضٌ تطوُّعي

لعلَّ للفكرة الجديدة أهميةً تفوق أهمية الانخراط في مشروعات قائمة أو أعمال متكررة ومجرّبة لا تحمل في طيّاتها تجديداً ومنها ما قد يبعث على الملل من روتين التكرار وبالتالي التراخي أو التكاسل وليدَي الجمود والنمطية ..
أما الأفكار الخلاقة فهي ابنة الملكات الحيوية الموهوبة يمكِّنها الوعي من فتح نوافذ مضيئة على جدران الضائقات .
هذه المقدمة وجدتُني أستحضرها من فريق شبابي تطوّعي من كليات الطب والصيدلة والهندسة وغيرها من طلاب جامعة تشرين فكروا بمسؤولية ناضجة كيف يمكنهم مساعدة مرضى الأورام من الأطفال، فكان أن أقاموا معرضاً للكتاب، يتبرّع كل من يشاء بكتب ينتقيها من مكتبته فيقيمون معرضاً ريعه يعود لهؤلاء المرضى، وأمّا المفاجأة فكانت أن الكتب المتبرّع بها هي في معظمها كتب قيّمة من الأصناف العلمية والأدبية والموسوعية والقصص والروايات الشهيرة عالمياً، والتي هيّأت لها رئاسة الجامعة رحاب المكتبة المركزية بطابقيها مكاناً للمعرض ومستلزماته، فكان عدد العناوين المتبّرع بها ينوف على ألف ومئتي عنوان قام الفريق الطلابي التطوّعي بترتيبها وفرزها وتهيئتها بشكل أنيق ولائق للعرض، وبأسعار جدّ رمزية، حتى أن بعضها وصل حسمها إلى أكثر من خمسةٍ وسبعين بالمئة .
لقد كان لهذه الفكرة أكثر من أثر إيجابي وعلى أكثر من صعيد، أولها الجانب الإنساني، مروراً بالجانب الثقافي والروح التي انبعثت في حراك الإقبال على الكتاب وقد كانت شبه معدمة، وكذلك فتح فرصة لمن تبرّع بكتب كان قد قرأها ليشتري كتباً قيمةً يريدها وبأسعار رمزية جداً، كان تبرّع بها غيره .. ثم هذا التنظيم الواعي المقونن وهذا الشعور العالي بالمسؤولية لهذا الفريق المليء بالهمة (والاهتمام ) كاسمه ( وي كير )والذي ينوف على مئة وعشرين شاباً وشابة تبرعوا بوقتهم وجهدهم لإنجاح هذا المشروع الذي يجمع الإنساني النبيل والثقافي الواعي .. كل هذا وغيره انبثق من فكرة جادّة مسؤولة فكان أن أعطى الأمل وقرنه بالعمل، فبرهن أنَّ جينات الشباب السوري مجبولة بالعزيمة والإصرار، مشبعة بالقيم عصيةٌ على القنوط، مليئةٌ بالضوء، وهاهو المعرض يعجُّ بالسوريين الذين يعرفون جيداً معنى الإنسانية ويعشقون القراءة التي أصلُ أبجديّتهِا كان وما يزال وسيبقى سوريّاً .

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار