«سيفان ونخلة ومنشار»، صور وعناوين لأهم الصحف ونشرات الأخبار الأميركية والبريطانية والتركية، فهل كان العالم بحاجة لأوصال الخاشقجي «المغدور» سعودياً للإشارة إلى وجود واقع سعودي يحاكي الواقع الهوليوودي الذي قدّم المئات من أفلام الرعب بنصوص رفعت دائماً من سقف توقّعات المشاهد حتى وصلت لتحقيق منصّة جمهور قلبه ميت، غافل عن مشاعر من قبيل الخوف أو التأثر، أو حتى التعاطف!.
وأين يكمن الاختلاف بين منشار مدير الطب الشرعي الذي قطّع جسد الخاشقجي -حسب زعمهم- والسكين التي يستخدمها «داعش» في عملياته الإرهابية؟
فتقطيع الرؤوس وحزّ الرقاب والحرق، «ثقافة» وهّابية إرهابية تفنن «داعش» بنشرها أينما حلّت عسكرة حضورها وخطط مصالح مشغليها الذين جنّدتهم الولايات المتحدة الأمريكية بعد تبني المشروع الوهابي الإرهابي، الذي استطاعت الاستخبارات الأمريكية تطويعه واستثماره في خريطة مصالح كل أطلس جغرافي فيها يفرض الحضور الدرامي الأميركي- «الداعشي»، حسب نص لابدّ فيه من تحديد الجمهور المستهدف الذي سيتابع الحراك وفيلم الرعب اللاإنساني، وتمويل الأفواه التي ستبرر العنف والقتل مادامت الديمقراطية وقوننة حقوق الإنسان -حسب الرؤية الأمريكية- قد حددت العنوان الأساس لمذهب دراماتيكي، فيه من السرديّات الجاهزة والمعلّبة لحقائق صراع وأزمات ما يخدم أجندة قوى دولية واحدة..
والمفارقة، أن الخاشقجي المقتول بأيدٍ سعودية، وعلى أرض تركية، كان قد «برّر» سلوكيات «داعش» الإرهابية من قطع رؤوس وتفنُّن بالتعذيب الوحشي اللاإنساني، فقد قال: «إنه تكتيك عسكري نفسيّ فعّال»، فذاق طعمه وهو على قيد الحياة وهو ينظر بعيون ضحية لمن وضع السكين على رقبته، وقد كان بتصريحاته وتوصيفاته عنهم جانياً.
فهل كان منفّذو عملية الاغتيال بالمنشار، حسب التصريحات الإعلامية التي ملأت نشرات الأخبار، «قتلة مارقين»، كما وصفهم ترامب المحرج من أفعال صبيّه محمد بن سلمان، الذي لن يتنازل عن موقفه في الدفاع عنه مادام ضرع مملكته مازال قيد الاستثمار الأمريكي، رغم معارضيه في الكونغرس، لأن همَّ ترامب الوحيد حجم المكاسب التي من الممكن أن يجنيها من الأسرة السعودية الحاكمة، الحليف المهمّ لأمريكا، ولأن السعودية سوق تصريف منتجات أميركية إن توقفت فستعود بالضرر على الولايات المتحدة الأميركية.
إذاً، ملف (المرحوم) درامي عزّزته تسريبات إعلامية سياسية أثارت فضول الشارع لمتابعة القصة التي اكتسبت بعداً هوليوودياً يلفّه الغموض فيما إذا كان مصادفة أم مسيساً للإيقاع ببني سعود، حتى وإن تماهى ترامب بتقديم موقفه المناصر لولي العهد السعودي، الآمر والناهي في قصة الخاشقجي الذي لم تكن قصته آخر القصص الخلافية التي أثارها في مملكته، والتي -حسب زعمه- استمرار لنهج المملكة في «ترسيخ أسس العدل» من خلال قمع الحريّات وإسكات كلّ من تسوّل له نفسه أن يعارض العائلة الحاكمة.
وعلى الرغم من أن «المغدور» بأيدٍ سعودية لم يكن المواطن النزيه المعارض لسياسة النظام هناك، بل كان «رجلاً مسيساً» في حياته، وأحد رجالات غرف المملكة المظلمة، الذي عرف الكثير من المعلومات التي تجعل منه «شاهداً ملكاً» تجرّأ على أسياده، فكان الاستثمار الأمثل لحبكة «فيلم سياسي» مرتقب في مماته، وليكون ربما «البرومو» الأهم الذي سيضع السكين –الأداة ذاتها لأدواتهم الوهابية والاستخباراتية – على رقبة ولي العهد، الذي حاول جاهداً استحداث عباءة اقتصادية فضفاضة على المملكة، ليكون للاستثمار في القطاع السينمائي حصة كبيرة، حيث قرر إنفاق نحو 10 مليارات دولار، والتقى كبار منتجي هوليوود ليكون فيلمه الأول بإخراج رديء، وتنفيذ إجرامي، وليخرج العرض عن السيطرة.

m.albairak@gmail.com

print