ملف «تشرين».. الهدف تحقيق العدالة الاجتماعية.. بلورة جديدة في أركان الاقتصاد الوطني وتصويب المسار ومعالجة الانحرافات وتحديد النموذج الاقتصادي المناسب

تشرين – رشا عيسى:
يتجه الاقتصاد الوطني نحو مرحلة جديدة عنوانها بلورة دور جديد في أركانه وفق توجهات مختلفة، بغية تصويب المسار ومعالجة الانحرافات وتحديد النموذج الاقتصادي المناسب، من حيث تحقيق العدالة الاجتماعية، ومواجهة الظروف الراهنة التي نعيشها، والوصول إلى التوازن بين النهج الاجتماعي والنهج الرأسمالي.
وتدفع الأوضاع الحالية المجال نحو ضرورة إيجاد اقتصاد متنوع ومتوازن لا يقوم على حساب القوى الاقتصادية الفاعلة ليتم دعم المجتمع وبالمقابل لا يقوم على حساب المجتمع ليتم دعم القوى الاقتصادية الفاعلة، لتكون المعادلة الصحيحة هي اقتصاد اجتماعي يراعي الجميع.

ويبرز اقتصاد السوق الاجتماعي بأهدافه القائمة على الحفاظ على آليات السوق الحرة مع ضمان العدالة الاجتماعية من خلال الحفاظ على التوازن بين معدل مرتفع من النمو الاقتصادي، وانخفاض التضخم.

تحقيق العدالة الاجتماعية
ويعرف الدكتور مجد نعامة – أستاذ الاقتصاد الزراعي – في حديثه لـ”تشرين” اقتصاد السوق الاجتماعي بأنه نظام اقتصادي يهدف إلى تحقيق الضمان الاجتماعي والعدالة الاجتماعية في إطار اقتصاد السوق عن طريق التدخل السياسي والتدابير التي تتماشى مع السوق.

نعامة: ست آليات كفيلة بتحقيق اقتصاد السوق الاجتماعي

وتفترض اقتصادات السوق الاجتماعية وجود شبكة دعم اجتماعي قوية للطبقة الدنيا تعزز إنتاج رأس المال، ومن خلال خفض الفقر وتوسيع نطاق الرخاء ليشمل طبقة متوسطة كبيرة، يتم فيها توسيع المشاركة في سوق رأس المال، واقتصاد السوق الاجتماعي يقلل الفجوة بين الفقراء والأغنياء، ويحقق التوازن بين النهج الاجتماعي والنهج الرأسمالي.
وقد عبر السيد الرئيس بشار الأسد عن ذلك في اجتماع اللجنة المركزية الموسع لحزب البعث بقوله: “إن تحقيق التوازن بين القواعد الاقتصادية والقواعد الاجتماعية فهذا يعني أن نسير بخط دقيق لا يكون فيه الجانب الاقتصادي مجرد على حساب المجتمع، لأننا في هذه الحالة سوف نتحول إلى حزب رأسمالي، ولا يمكن أن يسير بالعكس باتجاه الجانب الاجتماعي بشكل مجرد لأننا عند ذلك سوف نكون دولة مفلسة، لذلك نتحدث عن هذه العناوين حتى نصل لنقطة التوازن بين إيديولوجي واقتصادي، فلو أبقينا كلمة السوق لوحدها فهذا يعني أننا تحولنا لاقتصاد السوق المتوحش، فكلمة اجتماعي هي التي تحافظ على النهج الاشتراكي، مع الحفاظ على المنافسة بالنسبة للسوق”.

خلاصي: للوصول إلى النتيجة المرجوة يتطلب حواراً وطنياً شاملاً يشترك فيه المهتمون بالشأن الاقتصادي والاجتماعي

الصين أنموذجاً
وقد ذكر السيد الرئيس، جمهورية الصين الشعبية كخير مثال على اقتصاد السوق الاجتماعي، فعلى نحو فعال، انتقلت الصين من “الاقتصاد الاشتراكي” إلى ” اقتصاد السوق الاجتماعي” وسرعان ما أدرك النظام الشيوعي في الصين أنه سيكون من غير صالحه إبقاء الاقتصاد الصيني منعزلاً عن بقية العالم، ومنذ ذلك الحين، تمكنت بنجاح من تحقيق التوازن بين النهج “الاجتماعي” و”النهج الرأسمالي”.

الآليات الضرورية
ويعدد نعامة الآليات الكفيلة بتحقيق اقتصاد السوق الاجتماعي، مبيناً أنه يهدف إلى الحفاظ على آليات السوق الحرة مع ضمان العدالة الاجتماعية في الوقت نفسه من خلال الحفاظ على التوازن بين معدل مرتفع من النمو الاقتصادي، وانخفاض التضخم.
ويجب العمل على تخفيض مستويات البطالة، مع توفير ظروف العمل الجيدة، والرعاية الاجتماعية والخدمات العامة باستخدام تدخل الدولة.
هذا إضافة إلى تعزيز المؤسسات الاجتماعية لتعزيز وتحفيز وتنظيم المؤسسات الاجتماعية، من خلال الاستثمار الاجتماعي، ودعم الجهات الفاعلة في الاقتصاد الاجتماعي للبدء والتوسع والابتكار وخلق فرص العمل.
كذلك تطوير آليات مختلطة تمزج بين الاستثمار العام والخاص من خلال توفير حوافز للتمويل والاستثمار من خلال تخفيض الضرائب والحواجز التنظيمية، وإزالة مخاطر التمويل الخاص.
ويجب أيضاً توسيع وتعزيز البحث والتعليم في مجال الابتكار الاجتماعي والمشاريع الاجتماعية والاقتصاد الاجتماعي في المدارس والجامعات، والذي يؤدي إلى تطوير المعرفة المحلية وخط المواهب.
وأخيراً، لا بد من جمع بيانات التأثير الاجتماعي وجعلها مرئية من خلال جمع الإحصاءات عن الاقتصاد الاجتماعي، فإلى جانب مساهمة الاقتصاد الاجتماعي في النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، يجب على الحكومة قياس وعرض الأثر الاجتماعي والبيئي للاقتصاد الاجتماعي بشكل منهجي من خلال استخدام المؤشرات المناسبة.
إعادة صياغة المفاهيم
من جهته، الباحث الدكتور حسام الدين خلاصي لفت الى أن الملاحظ في كلمة السيد الرئيس التي شملت عدة مناحٍ أمام الجهاز الحزبي المنتخب، وتوضح من خلالها التركيز على الوضع المعيشي الذي يهم كل السوريين، وانطلاقاً من التركيز على مفاهيم الاشتراكية والكادحين واقتصاد السوق الاجتماعي وإعادة صياغة هذه المفاهيم بروح العصر وبما لا يخالف عقيدة الحزب وسياسة الدولة العامة بل يدفعها للأمام.
التوازن
فعلى التوازي أوضح السيد الرئيس أن الاشتراكية يجب أن تكافىء العدالة الاجتماعية لكافة فئات الشعب دون استثناء بحيث تضمن التوازن لها في التعاطي مع الاقتصاد الوطني وبنائه.
وأما الكادحون في أدبيات البعث فهي توازي شريحة الفقراء، وهم الذين يعملون بدخل ضعيف، وبالتالي ومن مسؤولية الحزب وبالتالي الدولة والحكومة الاهتمام بكل الفقراء على كامل مساحة الوطن والنظر لهم كداعم للاقتصاد الوطني وكقوة شرائية تحرك السوق، يجب أن لا يستهان بها على الإطلاق من خلال تطبيق سياسات الدعم العقلاني والمتوازن.

اقتصاد متنوع
إن النظرة الحداثية للصورة الاقتصادية الجديدة في ظل الظروف الحالية تفتح المجال أمام اقتصاد متنوع ومتوازن لا يقوم على حساب القوى الاقتصادية الفاعلة ليتم دعم المجتمع، وبالمقابل لا يقوم على حساب المجتمع ليتم دعم القوى الاقتصادية الفاعلة.. إذاً المعادلة الصحيحة هي اقتصاد اجتماعي يراعي الجميع.

حوار شامل
والمثل الذي ضربه السيد الرئيس في الاقتصادات المتوازنة والناجحة (الصين أنموذجاً)، هو رغبة منه للإشارة إلى إمكانية البحث والعثور على النماذج الملائمة للواقع السوري ومراعاة جانبي العملية الاقتصادية.

فيوض: إيجاد أشكال من التكامل المجتمعي فيما بين فئات المجتمع من ضمن تبادل المنفعة على قاعدة الربح للجميع يضمن النجاح والاستمرار

وترك السيد الرئيس باب الاجتهاد مفتوحاً للوصول إلى النتيجة المرجوة، وهذا يتطلب حواراً وطنياً شاملاً يشترك فيه المهتمون بالشأن الاقتصادي والاجتماعي لتكون الفائدة التطبيقية له واقعية ومنطلقة من متطلبات المجتمع بشرائحه كافة.

نظرة تحفيزية
بدورها، الباحثة المهندسة مريم جودت فيوض رأت أن الطرح الجديد يمثل نظرة مستقبلية تحفيزية باتجاه إعادة تكوين وتشكيل الاقتصاد الوطني ضمن أيديولوجيا حزب البعث المبنية أساساً على مفهوم الاشتراكية ببعد اقتصادي واسع يشمل كل بنى المجتمع السوري، منطلقاً من أساس تكوين الحزب بصفته حاملاً سياسياً لطبقة العمال والفلاحين، وتالياً وجوب تطوير النظرة الأيديولوجية لهذه الطبقة وإعطاؤها بعداً اقتصادياً، يضمن تحصيل نتائج إيجابية ملموسة لناحية تحسين الواقع المعيشي لهذه الفئات والتي تشكل الأغلبية في بنية المجتمع السوري، وهذا لا يعني في أي حال من الأحوال إغفال بقية فئات المجتمع مثل الطبقة الوسطى والميسورين من أصحاب رؤوس الأموال والمشاريع الاقتصادية، بل إيجاد أشكال من التكامل المجتمعي فيما بين هذه الفئات من ضمن تبادل المنفعة على قاعدة الربح للجميع يضمن النجاح والاستمرار وهذا ما تحققه النظرة الاقتصادية لأيديولوجيا الحزب المبنية أساساً على النظرية الاشتراكية، والتي تنطلق من مفاهيم السوق الأساسية وقوانينه، والتي نستطيع أن نطلق على هذه النظرة اقتصاد السوق الاجتماعي المطور للعديد من مفرداته ومتطلباته.

تجنب الصدمات
وتوضح فيوض أن تجنب تطوير الاقتصاد عبر الصدمات أمر غاية في الأهمية، بل يجب أن يتم الأمر بالتدريج وضرورة الانفتاح على القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الأجنبية، فالاشتراكية لا تعني على الإطلاق احتكار الاقتصاد عبر مؤسسات القطاع العام، بل المفاهيم الاقتصادية الحديثة تحتم الشراكة ما بين القطاعات الاقتصادية بما يحقق الفائدة لجميع الأطراف، ويحتم للحزب أن يكون ناظماً لهذه العلاقة ومراقباً لها بما يضمن الانعكاسات الإيجابية على كامل فئات المجتمع وتحقيق مصالحها.

التكامل مع القطاع الخاص

إطلاق مفهوم التكامل مع القطاع الخاص وجذب الاستثمارات مع المحافظة على الملكيات الخاصة وتشجيعها بما يسمح لأصحابها بإطلاق استثمارات متناهية بالصغر وبمختلف المجالات ضمن خريطة استثمارية شاملة تحقق تكاملاً في النمو بمختلف القطاعات في الزراعة والصناعة والمشاريع الإنتاجية والخدمية المختلفة، وهذا ما يصب في النهاية بخدمة المجتمع بشكل كامل، كما تؤكد فيوض.

تجاوز المفهوم التقليدي
في الحقيقة ما ورد في الخطاب الأخير يتعدى المفهوم التقليدي للخطابات ليكون خريطة عمل ونهجاً للمرحلة القادمة لحزب البعث وكوادره، والذي أكده النهج الذي اتبع في اختيار اللجنة المركزية والقيادة التي تضم قامات حزبية وعلمية خبيرة، يؤمل أن تنهض بمسيرة العمل وفق الرؤية الشاملة والخريطة الواضحة التي تحددت ملامحها وأهدافها.

اقرأ أيضاً:

ملف «تشرين».. رؤية عصرية بنمط تفكير متوازن.. الرئيس الأسد يضع خطوط المرحلة المُقبلة بشفافية واتزان .. العدالة الاجتماعية والإنتاج أولاً..

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار