أكبر نسبة متابعة

هذا وقد بات موسم الدراما لهذه السنة في أسبوعه الأخير؛ أصبح بإمكان المُتابع أن يُسجّل الإشارات التالية: الإشارة الأولى، وهي إفلاس ما أطلقَ عليه (دراما البيئة الدمشقية)، ويعود ذلك بالدرجة الأولى للبنية الأولى للمسلسل التي تبتدأُ من النص، وكان أول ما ظهر القحط هنا في جفاف المخيلة ويباسها عند الكاتب، والدليل حتى وإن توفر مخرج مشهود له بالحرفية العالية؛ فلن يستطيع أن ينهض بالنص الضعيف، ومثاله هذه السنة مسلسل (حارة القبة) إخراج رشا هشام شربتجي، الذي عُرض من دون أن يُعيره أحدٌ اهتماماً مثله مثل باقي أعمال البيئة الدمشقية.. الإشارة الثانية: تمثلت في اختفاء ظاهرة ال(بان آراب)، أو الدراما العربية المشتركة، والتي كان يُستثمر فيها نجومية الممثل السوري وحرفيته مع الحالة الجمالية والسياحية الإعلانية للفنانة اللبنانية، أما الإشارة الثالثة، وهي مُحزنة بكل تأكيد؛ فهي تقهقر الكوميديا، وقد أشرنا للأمر في مقالٍ سابق..

أما الإشارة الرابعة فهي ارتفاع مستوى المتابعة للأعمال الاجتماعية التي تُقارب التحقيقات الصحفية الاستقصائية في بنيتها، حتى إن الأعمال الناجية الثلاثة في مسلسلات الدراما لهذا الموسم كانت: كسر عظم – إخراج رشا شربتجي، على قيد الحب – إخراج باسم السلكا، مع وقف التنفيذ – إخراج سيف سبيعي.. تلك كانت المسلسلات الأكثر مُتابعة، ولا أظن الأمر بحاجة لاستفتاء، لأن مؤسسة الرأي الأكثر وضوحاً والتي تفوقت على مؤسسات قياسات الرأي، والتي هي وسائل التواصل الاجتماعي وحكايا (التريندات) التي شغلت هذه القنوات..
ورغم أن المسلسل الذي يحظى بالمتابعة الأكثر، ليس بالضرورة أن يكون هو الأفضل، أو هو الذي يُحقق الرسالة الجمالية والفكرية الأفضل، وذلك لأن المسلسلات الأكثر متابعة، هي التي كانت تخترق الخطوط الحمراء، بمعنى تلك التي تعتاش على النوازع الباطنية للبشر، كما في مسلسلات البيئة الدمشقية – باب الحارة وأجزاؤه نموذجاً- التي لعبت على وتر (التلصص)، بمعنى التلصص على القصص والحكايا لمن هم خلف الأبواب المُغلقة من ثرثرات نساء وردحهن الطويل، ومن ثم كانت ترويجاً لقيم، صُناعها أنفسهم ينفرون منها.. أو تلك المسلسلات التي لعبت على وتر السياسة، والمساس بالتابو الاجتماعي، وإذا ما أخذنا مسلسل (كسر عظم) على سبيل المثال، فلا يعدو النص سوى أن يكون تجميعاً لعشرات الحكايا والقصص التي ألفها الناس وعاشوها بكل تفاصيلها، وتجرعوا كل آلامها، ومن المدهش أنهم اليوم يستعذبون عيش المرارة مرةً أخرى، لاسيما أنّ هذه الحكايا وضعت بين يدي مخرجة محترفة اعتادت على هذا النوع من المسلسلات منذ (غزلان في غابة الذئاب)، مروراً ب(الولادة من الخاصرة)، وأخيراً (كسر عضم)، أما من وجهة نظر شخصية؛ فإنّ مسلسل (على قيد الحب) كان الأفضل، وعلى الصعد كافة، بقي أن أشير إلى إشارة أخيرة في هذا الحيز الضيق؛ إن هذا الموسم كان موسم الفنان فايز قزق الذي ظهر في أرقى تجسيداته..
هامش:
والحزنُ ينهشُ
روحكِ؛
لا تسألي لمن هذه الأصابع
التي تلامسُ عنقكِ،
وتحاول تكوين حضن سلامٍ لك،
لا تسألي
إنه قلبي يُطلق أصابعه.

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار