لم يختلف الدلال الحكومي لأهل «البزنس» قبل الحرب عن سنواتها الثماني المرّة مهما تغيرت الكراسي، فعلى الرغم من تعاقب حكومات عديدة تبقى تلك الريشة على رؤوسهم تميزهم عن بقية العباد، وتضمن «كوشة» ميزات ببركة سطوة مالهم، الذي يعد جواز مرور «مستعجل» إلى مراكز القرار وأصحابها، وهذا طبيعي وموجود في جميع دول العالم وليس امتيازاً سورياً حكماً، لكن هذا الأمر يصبح غير مألوف وخارج حدود المنطق عند منحهم عطايا بالجملة من دون عكسها على تحسين أحوال البلاد والمواطن، لدرجة اعتقد البعض جازماً أنها باتت حقاً مكتسباً يجيز له بعد لبس «قبعة الحماية» ارتكاب تجاوزات حفاظاً على المصالح وزيادة الثروات في حين يكتوي المواطن بنار ضرائبها بلا محاسبة.
تعوّد التجار تحديداً على كرم أصحاب الكراسي الطائي، أعطتهم الضوء الأخضر لملء الدنيا صراخاً عند سحب البساط ولو قليلاً من تحتهم، أمر يوضحه إصدار «التجارة الداخلية» قراراً جريئاً ينظم العمل التجاري ويضبط حالة الفوضى السارية في جسده، عبر إلزام التجار بتسجيل عدد من العمال في التأمينات الاجتماعية حسب الدرجات التجارية، وقد نتفق مع مسؤولي القطاع التجاري أنهم ليسوا كالصناعيين يملكون معامل تحتاج عمالاً لتشغيلها، لكن في المقابل يجب الاعتراف بأن بعض التجار يكسبون من محالهم التجارية أو شركاتهم العائلية أموالاً مضاعفة، مع الأخذ في الحسبان أن جزءاً كبيراً من التجار هم صناعيون أساساً، فكيف يمكن الفصل هنا مثلاً، وهل ستؤدي كثرة الضجيج عن التغاضي عن مسلسل التهرب الضريبي الذي ضيع ويضيع مليارات الليرات على الخزينة كرمى عيون رجال أعمال بعينهم، إذ يقف مسؤولو النظام الضريبي عاجزين أمام تحصيل الضرائب المستحقة عليهم، بينما يصبحون «فراعين» على الموظفين ذوي القروش القليلة.
إلزام التجار المسجلين في الغرف التجارية، وقبلهم الصناعيون بتسجيل عمالهم في التأمينات الاجتماعية يحفظ حقوق العمال والخزينة، ولا يحمّل أصحاب الأموال أعباء فوق طاقاتهم كما يروج المتضررون من قرار صحيح جاء متأخراً في الزمن الصعب، وكما يُقال: «أن تصل متأخراً خير من ألا تصل أبداً» مهما كثرت الاعتراضات والانتقادات، التي قد لا تدفع المعنيين إلى العدول عن القرار، لكن ستضمن لرجال الأعمال «حمصاً من المولد»، فالعقود الطويلة من «عسل» الميزات علمتهم «من أين تُؤكل الكتف»، حيث يصبحون قادرين على قطف ميزات جديدة حتى لو كانت الجولة في غير صالحهم، ولاسيما أن كسر خواطرهم ليس وارداً في حسابات أصحاب صناعة القرارات والصفقات.
rihabalbrahim4@gmail.com

print