يقول أفلاطون في تعريف الصورة في كتاب الجمهورية:
(اسمي «صورة»، أولاً الظلال ثم الانعكاسات التي يراها المرء على سطح الماء، أو على سطح الأجسام المعتمة المصقولة واللامعة وجميع التمثلات من هذا النوع)، أي إن أفلاطون ربط الصورة بفكرة الانعكاس!
لكن رينيه ماغريت، الرسام السريالي، حينما رسم لوحته «غدر الصور»، التي لم تكن سوى «غليون»؛ كتب تحته جملة: «هذا ليس غليوناً».. ليترك للنقّاد والمهتمين بالفن التشكيلي مساحة كبيرة لمناقشة لوحته التي فسّروها بمعنى أن الرسمة نفسها ليست «غليوناً» بل هي مجرد صورة لغليون.
وإن كان عنوان من قبيل «غدر الصور»، أو ربط الصورة بفكرة الانعكاس، أو جملة رينيه تحت رسمة الغليون «هذا ليس غليوناً» ليست سوى جمل مفتاحية، تتخذ الصورة فيها مكان الصدارة من الناحية الكمية في الإنتاج البشري اللامادي، ينافسها من الناحية العلمية والأكاديمية الإنتاج اللغوي فيما لو حاولنا إجراء مقاربة بين الحضور العبثي لماهية الصورة، كعمل فني، وما بين الحضور السياسي لدولة بحجم أمريكا، لوجدناها تحاكي تماماً المعنى الحقيقي لفكرة رينيه، فمنافستها للصورة تكمن في أن السياسة الأمريكية واضحة ولا يشوبها أي التباس أو غموض، فأمريكا التي لها تاريخ طويل مع الإرهاب والجرائم ضد الشعوب، والتي قادت الصراعات وارتكبت الحروب ضد أفغانستان والصومال وفييتنام والعراق، وتآمرت على اليمن وسورية اليوم، ومازالت تستمر بانتهاك المواثيق الدولية، وتواظب على تصدير صور السياسة الخارجية والداخلية السوداء، في حين تتفاجر بعنونة حضورها الإجرامي: «هذا ليس إجراماً»…
واشنطن التي اعتمدت نظرية «الحرب الاستباقية» في استراتيجية الهيمنة على العالم، ورعت الاستيطان الصهيوني منذ بدايته في فلسطين المحتلة، وساندته بمليارات الدولارات كمساعدات اقتصادية وعسكرية، وقدمت الغطاء السياسي لعشرات «الفيتوهات» المناهضة لـ«إسرائيل» في مجلس الأمن، وتعترف اليوم بالقدس «عاصمة لإسرائيل»، وتنسف كل ماسبق من مفاوضات، هل يمكن أن تحمي الفلسطينيين؟
سلوكيات إجرامية واضحة تنسف زيف الشعارات التي «بشّرت» بها أمريكا عقب الحرب العالمية الثانية، ليتماهى الحضور الإجرامي حدّ الإفصاح، وليكون شعار «أمريكا أولاً» هو الشعار الأساس للسياسة الأمريكية التي أفرزت تهديداً بتدمير كامل لكوريا الديمقراطية، وعدّ إيران «دولة مارقة» لأنها –أمريكا- دبلوماسياً اعتنقت سياسة المصالح الأمريكية، وانتهاك ميثاق الأمم المتحدة بالتخلي اللاشرعي في سورية، وارتكاب قوى «التحالف الدولي» بقيادتها أكثر من عدوان عسكري أودى بحياة المدنيين، واستخدامها قنابل الفوسفور الأبيض في دير الزور، بينما مجازرها الجماعية في الرقة وثّقت وجود 4 آلاف شهيد، عدا ما يتم انتشاله حتى اليوم من جثث مازالت تحت الأنقاض… و«إجرامها ليس إجراماً»!
أما فيما يخص اليمن، الذي يعيش أكبر أزمة إنسانية في العالم من جراء العدوان السعودي بتواطؤ أمريكي، فالضحايا تعدّوا توصيف الأموات..
ولم يستطع مجلس الشيوخ الواهن التصويت ضد اقتراح من شأنه أن يحظر بيع الأسلحة الأمريكية للسعودية، التي استهدفت المدنيين اليمنيين بذخائر عنقودية، ولم تدعم واشنطن أياً من الدعوات في مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أجل إنشاء لجنة للتحقيق في الانتهاكات في اليمن، في حين أعلنت إدارة ترامب عدم تعاونها مع المحكمة الجنائية الدولية بعد الآن، وبذا لا نستطيع تجاهل «غوانتانامو» وما فيه من انتهاكات لحقوق الإنسان.. كل هذا و«إجرامها ليس إجراماً!».

m.albairak@gmail.com

print