المشهد السياسي الأخير الذي أطّر الساحة العسكرية في إدلب، رآه بعضهم بعين المتفرج، وآخرون تقمصوا دور المخرج، بينما صمت بعضهم وعيونهم تشي بمعرفة ما سيجري، وكأنهم ممثلون شاركوا في قراءة سيناريو اللقطة ما قبل الأخيرة من معركة إدلب، لقطة ربما تكون بلغة الكاميرا «تجميداً مفاجئاً للحركة»، يعطي هذا التجميد صفة التعمّد للفعل بحنكة سياسية جرّت تركيا للحضور إلى خشبة المسرح من دون قناع أو رتوش إضافية، والرهان على الوقت الذي من الممكن أن تقضيه تركيا من دون مناورات أو اختراقات، وتحقيق ما أمكن من بنود الاتفاق الروسي- التركي الأخير، والقضاء على التنظيمات الإرهابية بكل مسمياتها.
النظام التركي يعي حتمية الانتصارات العسكرية على التنظيمات الإرهابية إذا ما نُفِّذ قرار معركة إدلب، وانعكاس انتصار الدولة السورية وحلفائها على الجانب الجيوسياسي الذي كان يطمح من خلاله لتحصيل مكاسب تعيد تنشيط الذاكرة العثمانية ليتلقى الصفعة تلو الأخرى، وأقواها كان تحرير الأحياء الشرقية في مدينة حلب.
واليوم، واتفاق «سوتشي»، المحدد بفترة زمنية، فأياً كانت التحرّكات التركية، فإنها قاب قوسين ومعركة، أثبتت فيها الدولة السورية وحلفاؤها قدرتهم على تحويل التهديد إلى فرصة، وقلب طاولة الميدان بإنجازات عسكرية ودبلوماسية كانوا ومازالوا هم فيها الرابح الأكبر.
إذاً، اتفاق «سوتشي» سيكون «القطبة» ما قبل الأخيرة من جولات الحرب السورية، واختباراً أخيراً لأردوغان ولنيّاته، فإما العمل على تنظيف إدلب من دنس الإرهاب، وتنفيذ شروط الاتفاق من دون تخاذل ونفاق، أو إطالة عمر الحرب، وهنا ستكون تركيا -كما الأمس- الخاسر الأكبر لامحالة، فالمواجهة العسكرية لأدواتها مع الجيش العربي السوري وحلفائه لن تكون أبداً في مصلحتها، ولا في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية الراعي الرسمي للإرهاب في المنطقة، لذلك كان اتفاق «سوتشي» لتأمين نتائج مأمولة، وتحقيق ما ينبغي تحقيقه في المعركة من دون معركة، فإدلب الآن تشكّل المركز الأكبر للتجمعات الإرهابية، واستعادتها وتحريرها أمرٌ لابدّ منه ولا رجعة عنه، لأنه يمسّ أولاً بالسيادة السورية.
لذلك، تتساقط الأقنعة في مشهد إدلب، وتتكشف الأمور عن رهانات تتجاوز المشهد السوري نفسه إلى المشهد الإقليمي والعالمي، حيث جغرافية إدلب تشكل أرضاً خصبة لإدارة العمليات السياسية وإنهاء الحرب الإرهابية على سورية، لتتحول هذه المحافظة التي اتّخذتها التنظيمات الإرهابية رهينة إلى ساحة إقليمية ودولية تتشابك فيها المصالح وتكثر فيها التكتيكات والتخطيطات والانتهاكات الواضحة لمبادئ العلاقات الدولية، لكن كلمة الفصل أبت إلا أن تكون لأصحاب السيادة والحقّ، لسورية الحاضرة أبداً حضور منتصر برهن أن مخطّطات الإمبريالية ليست لها أن تتحقق مادامت هناك مقاومة مستمرة، رغم المعوقات وقدرات القوى المهيمنة، ومادام معها الحلفاء والأصدقاء، الذين نثق بهم، نخطط وننجز معهم-آنياً- كل التحركات، ونرحب بكلّ السبل والاتفاقات التي ينتج عنها القضاء على الإرهاب وتحرير كل شبر من البلاد.
فـ«أكثر مكان آمن للسفينة هو المرفأ، ولكن ليس لهذا تبنى السفن».. «غريس موري هوبر»

m.albairak@gmail.com

::طباعة::