تشهد الأسواق السياسية العالمية حركة بيع (مواقف) واسعة، عربون (سند) هو صك مديونية وليس (سهماً)، حيث لا مشاركة أو ملكية في رأس المال السياسي الأمريكي، فترامب التاجر استطاع أن يوظّف شطارته في البورصة، والحضور بصفة تاجر سياسي، يستقطب إليه رؤساء الدول الخانعة بصفة (متداولين)، كل منهم يدلي بدلو «سندات» خزينته الحكومية من أموال كما فعل (بنو سعود)، أو عبر المواقف القابلة للبيع والتنازل، وكانت فرنسا خير مثالٍ على دول امتهنت طريق (الملاذات الآمنة)، فـ«موضة» السياسة والمال الأمريكية اليوم تغريهم باقتناء «سندات» رضا طويل المدى، مرتفع في معدلات الفائدة «كرمى العيون الخمسين» للولايات المتحدة الأمريكية.
محمد بن سلمان لم يكن المستثمر الوحيد في البورصة الأمريكية، وابن سلمان سبح في التيار واستثمر فيما لا يستطيع فهمه، ضارباً عرض الحائط العروبي والقومي بالتحذيرات حول التعامل في البورصة، لكنّه وقع في «فخ النصيحة» من الأعداء التجّار، حيث القاعدة التجارية تقول: «إن الأزمات هي أفضل وقت لتشغيل رؤوس المال»، واتّكل على ذريعة يتداولها المستثمرون العرب أن «الاستثمارات العربية تمرض لكنها لا تموت»، ونسي «المسكين» أنه في حضرة الأمريكي «الحوت».
أما ماكرون رئيس فرنسا؛ فحدِّث ولا حرج عن سلوكياته في حضرة القرصان الأمريكي ترامب، والعشاء الأخير الذي جمعهما على سفرة خُضرها مشتولة في حديقة البيت الأبيض، ومنكّهة بطعمات فرنسية، فضحت ريق ماكرون اللاهث للتقرب من ترامب، الذي بدا أمامه مراهقاً سياسياً مستعداً لما هو أكثر من التقبيل والعناق والتربيت على الظهر والهمس في الآذان.
تصرفات إيمانويل، كما كان يخاطبه ترامب، كانت كتصريحاته، وهو المستعد والحاضر للمشاركة بكل أعمال «التحالف الدولي»، وهو الداعم أيضاً للوجود الأمريكي أينما تشاء مصالح قواعد أمريكا، والمتوسل لها كي تبقيه غلاماً تحت عباءتها، لعلّها تتخلى عن تهديداتها بالحرب التجارية، وتنسق سياستها الحربية بشكل أوثق مع أوروبا، متحدثاً بالنيابة عن فرنسا التي أسقطها «غلامها» في قاع هاوية، مشلولةً عن لعب أي دور سياسي مستقل، وأظهرها بمظهر الدولة الصغيرة التي يتعين عليها الانصياع في كل شيء، حتى لو كان ذلك على حساب مصالحها القومية، أو سمعة رئيسها التي باتت أمام مباشَرِ أثيرٍ أكثر من «مزعجة» كتوصيف لم تتجرأ الصحف الفرنسية على استخدام غيره، في حضرة مراسم رئاسية فرنسية- أمريكية، المخرجات الوحيدة للزيارة فيها إذلال فرنسا وماكرون شخصياً، فتكاثرت التحليلات بشأن العلاقة الخاصة التي تجمع الرئيسين، لتنجب تفسيراً يضعهما في خانة (البرومانسية)، وهو مصطلح إنكليزي للتعبير عن الانسجام بين الرجال.
إلا أنه، ورأفة بالمراهق إيمانويل، يمكن تأطير العلاقة بـ (الشومانس)، أي إنها ليست أكثر من عرض غرامي أمام الكاميرات في محاولة لاستغلال علاقتهما وتحويلها إلى سلعة يكسب فيها الطرفان مكسباً مؤقتاً ينتهي مع انتهاء اللعبة السياسية.
فكل ما في جوف فرنسا قد تقيأه إيمانويل بمواقف ضعيفة مبالغ فيها، وخطابات من قبيل عدم ثقته «بمفاوضات أستانا» بشأن الحرب على سورية، وبأن «عملية أستانا ليست بالمُرضية ولا تكفي»، والعملية السياسية في «جنيف» بحاجة لدفعة جديدة تتطلب حضور «الأقزام» كمجموعة مصغرة لمناقشة الوضع في سورية، إضافة إلى تناقضاتٍ «استفاض موقع وورد سوشليست» بشرحها، حيث مزاعم ماكرون الذي تبجح باستعراض صراعه وحلفائه وكأنه «لإنقاذ الديمقراطية»، ما هي إلا صراعات متجذرة في المصالح المتضاربة بين الطبقات الحاكمة والرأسمالية العالمية في سوق بورصة يعلم القرصان الأمريكي فيها أن كسب الأرباح يتم من خلال فترات الانتظار، وليس وقت إجراء الصفقات.
m.albairak@gmail.com

طباعة