ملف «تشرين».. تحدي “اللمسة الأخيرة” يثير هواجس أصحاب المشروعات الصغيرة والأصغر.. التسويق مهمة إستراتيجية في عهدة الحكومة وقطاع الأعمال

تشرين- بادية الونوس:
في منطق الاستثمار مهما كان نوعه تحتل مرحلة التسويق والترويج خطوة مهمة من ضمن خطوات إنجاح أي عمل، وبالتالي تحقيق الأرباح المخطط لها. ولضمان نجاح مشروع من المشروعات الصغيرة أو المتناهية الصغر يجب إيلاء هذه الخطوة أهمية كبيرة، إذ يؤكد الخبراء في إدارة الجودة أهمية التفكير بنمط منفتح بعيداً عن النمط التقليدي المتبع من خلال طرائق لجسر الهوة بين متطلبات نجاح الأعمال (منها تبنى بشكل أساسي سياسات حكيمة بشأن الجودة والتسويق ) وبين معارف ومهارات القائمين على هذه المشاريع، من خلال الاعتماد على استشاريين والارتباط بشركات معروفة أو ماركات تجارية لها وثوقيتها، وهذا في حد ذاته يسهم في نفاد منتجات أي مشروع، بموازاة ذلك تقديم التسهيلات كالإعفاء من الضرائب والرسوم لعدة سنوات.

د.إسماعيل : تغيب عن الأذهان إستراتيجيات التسويق من جذب للعملاء وعلامة تجارية.. لدينا أساليب تسويقية عديدة وبأبسط التكاليف

في هذا الموضوع نتناول آراء الخبراء وأساتذة عن أهمية التسويق والترويج في عمل المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر.

المنقذة للاقتصاد
تؤكد الباحثة الاقتصادية د.رولا إسماعيل أهمية المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر لأنها تعدّ العمود الفقري للاقتصاد السوري، ولاسيما في هذه الظروف من عقوبات وعجز في الموازنة، لافتة إلى أن لهذه المشروعات طبيعتها وخصوصيتها من جهة عدد العاملين فيها، الذي قد يكون شخص واحد يدير مشروع وقد يصل إلى سبعة عمال، وهذه المشروعات تشكل اليوم الفرصة التي تمكّن الشخص من إيجاد فرصة عمل بنفسه من دون الاعتماد على الحكومة، ولاسيما في هذه الظروف، إذ إن نسبة البطالة المنتشرة مرتفعة وهي بطالة متعلّمة تحمل شهادات جامعية وليست بطالة “أمية”، تالياً نحن بحاجة إلى هذه المشروعات لأنها تشغّل الموارد وتولد التكامل بين المشاريع الكبيرة والمتناهية الصغر وتشجع على الأعمال بأنواعها، وتعمل في كلّ القطاعات السياحية والزراعية والصناعية، وبالتالي تحقق مردوداً كبيراً ولها دور كبير في حال استغلال الموارد الموجودة في الاقتصاد، وتثبت العائلات في أماكن سكنهم، أي تتميز بالمرونة و التأقلم مع الظروف.

معوقات عديدة
لكن تلك المشروعات لم تصل إلى الحدّ المرغوب فيه في أن تكون فعالة في الاقتصاد الوطني وأن تحقق إنتاجاً أفضل و قيمة مضافة مقارنة مع الاقتصادات المتطورة.

د.حسن: التركيز على التخطيط بطريقة سليمة والدراسة الدقيقة لأي مشروع والاستعانة بالاستشاريين الأكفاء

ومن وجهة نظر د.إسماعيل هنا، لا بدّ من تحليل البيئة التي تعمل بها هذه المشاريع والمعوقات التي تعانيها من اقتصادية ومالية وتسويقية، بدءاً من عدم استقرار سعر الصرف الذي سينعكس على التكاليف وأحياناً تكون غير قادرة على مواجهة هذه الارتفاعات والنتيجة قد تكون الخسارة. كذلك عدم توفر الضمانات العالية أحياناً، على سبيل المثال يطلب الضمان لمشروع زراعي قطعة أرض، وبالتالي صاحب المشروع غير قادر أن يؤمن الضمان المطلوب، ناهيك بالفوائد المرتفعة التي يعجز صاحب المشروع الصغير عن تسديدها.

تفعيل دور حاضنات الأعمال
تؤكد د. إسماعيل على أهمية دور حاضنات الأعمال لهذه المشروعات لكونها تقدم الدعم والمشورة والخدمات المتنوعة لعدة سنين حتى يستطيع القيام بالعمل وحده، لكن على أرض الواقع لم نجد أو نلمس أي دور للحاضنات في هذا الموضوع رغم الحديث عن دورها في الاقتصاد السوري.

مشكلات تسويقية
من المشكلات التي تعترض نجاح هذه المشروعات هي التسويق بمعنى؛ إن عمل أي مشروع لن يكتمل ويحقق الأرباح من دون أن يصل إلى الأسواق المرغوب بها، لكن المشكلة التسويقية بالنسبة لأصحاب هذه المشروعات هي غياب كامل للمعلومات عن السوق، إذ يجب جمع المعلومات الكافية “رغبة الزبون، حجم المبيعات، نوع المنتجات والأهم بناء العملاء، أي حصة العملاء والسمعة الطيبة لدى الزبائن” لكن تغيب عن الذهن إستراتيجيات التسويق من جذب للعملاء ، والاهتمام بما يعزز عملية البيع أي الاهتمام بموضوع رضا المستهلك، وكذلك الاهتمام بالترويج وأن يكون لدى كل منتج علامة تجارية، مثال العلامة التجارية التي تغيب عن كثير من المنتجات أو أن يكون لها اسم تجاري يتيح له أن يدخل السوق.

بأقل التكاليف
وأشارت إلى أن لدينا أدوات تسويقية عديدة وبأبسط التكاليف، منها التسويق الإلكتروني عبر وسائل التواصل و”الواتس” كلها ممكن أن تصل إلى الزبون وتعطيه الخصائص لهذه المنتجات، وبالتالي يصل بأقل التكاليف، على سبيل المثال المنتجات الزراعية في محافظة اللاذقية في محمية الفرلق التي شكلت انتماء واسماً لها في السوق التجاري والنتيجة أنها حققت أرباحاً، بمعنى يجب التفكير الاقتصادي من خلال خلق الطلب والترويج لها في الأسواق المحلية، ومن ثم إلى الاتجاه إلى الأسواق الخارجية، وكذلك يمكن التسويق عن طريق التشبيك مع الوزارات المعنية كوزارة الزراعة والصناعة والتجارة، أو عن طريق السفارات وغرف التجارة والصناعة والزراعة للوصول إلى الأسواق الخارجية التي هي الأقدر بتكوين الربط ما بين الأسواق المحلية والخارجية، و هذا ما يفترض العمل علبه.

قصة نجاح
عندما تعرضت منشأة صغيرة للخسارة نتيجة كساد منتجاتها من مادة الجبنة، لجأت إلى التسويق بطريقة مدروسة عن طريق القيام بإنجاز فيلم تضمن مراحل إنتاج الجبنة بطريقة احترافية ومن ثم اتجهوا لعدد من رياض الأطفال لأنهم أكثر فئة مستهلكة لمادة الجبنة، وبموازاة ذلك ذهبت باتجاه الترويج عبر إعلانات في المحطات التلفزيونية، ناهيك بالتعاقد مع شركة معروفة تنتج منتجات صناعية بماركات مشهورة في السوق التجارية، وتمتلك أسطولاً من السيارات، ليتم في النهاية تسويق منتجات منشأة صغيرة عن طريق الاعتماد على شركة كبيرة لها شهرتها واسمها في السوق، وبشكل احترافي وعبر عدة محاور، هذه الخطوات كانت كافية للتسويق بشكل جيد، وتحقيق عائدات كبيرة لصاحب المنشأة.

د.كريم: أهمية التشبيك ما بين المشروعات الصغيرة مع الكبيرة و الاعتماد على أشخاص لديهم فكر العمل الخيري يشكل دعماً للمشاريع الصغيرة

هذه حالة من الحالات التي اتبعتها إحدى المنشآت الإنتاجية ساقها لنا د.عادل حسن (استشاري في تأهيل الشركات)، تلخص قصة التسويق لمنشاة كادت أن تخسر أموالاً طائلة وهو ما يدعو إليه د. حسن الاستعانة بالاستشاريين لتقديم المشورة والرعاية والدعم.

التركيز على التخطيط

من المهم التركيز على نقطة مهمة وهي التخطيط بالدرجة الأولى لأي مشروع بطريقة سليمة ودراسة مراحله الإنتاجية بدقة، وماذا يحتاج من إمكانات، ومن المهم اختيار الأشخاص الأكفاء لإدارة هذه المشاريع والاستعانة بالاستشاريين، ووفق د.عادل حسن يجب أن نخرج من الإطار التقليدي النمطي في التعامل مع المؤسسات العامة من خلال توحيد جهة واحدة تتبع لها المشروعات الصغيرة، كأن تكون هيئة مستقلة تتبع لمجلس الوزراء بشكل مباشر، وهذه الجهة تقوم بدورها بوضع خطة لمن يرغب بافتتاح منشأة صغيرة أو مشروع يفترض البدء بإعداد إضبارة تتضمن اسم المشروع والموارد المتاحة لتنفيذه والأهم هل هي متوفرة في سورية؟.
وأضاف د.حسن: تتم دراسته من كل الجوانب من جهة حاجياته، خبراته ماذا عن المنتجات والجمهور المستهدف؟، هل فعلاً السوق بحاجة تلك المنتجات؟ ومن وجهة نظره، هذا الشرط في قائمة إنجاز أي مشروع متكامل، لأنه يعطي في النهاية حاجة السوق المحلية من المنتجات، من ثم تأتي فكرة التسويق التي قد تكون عبر صفحات وسائل التواصل أو ما يسمى بالتسويق الإلكتروني ،أو عن طريق المشاركة في المهرجانات والمعارض، أو يمكن مع أي جهة ممكن التشبيك معها سواء مع وزارة التجارة الداخلية عبر صالاتها أو عبر وزارة الزراعة بما يؤدي إلى تسويق المنتج، وهذا كله يكون بشكل ميسر وسهل عند دراسة احتياج السوق المحلية وفق قوله.

إيجاد منطقة

إيجاد منطقة أو مكان خاص محدد لبيع منتجات المشروعات الصغيرة في كل منطقة، هو من الحلول التي اقترحها د. حسن لتسويق المنتجات، ويكون بالتنسيق مع الجهات المعنية بموازاة التعاقد مع تجار كبار يكون لهم اسمهم المعروف بالسوق، وبالتالي نخرج من إطار التعاون مع الجهات العامة، لأن من وجهة نظره مجرد وضع اسم تاجر معروف هو في حد ذاته إعلان وتسويق.
ويرى أن التسويق عبر صالات التجارة الداخلية لا يفي بالمطلوب، لأن عدد الذين يرتادون هذه الصالات لا يملكون القوة الشرائية أساساً، لذلك من المهم التعاقد مع شركات تجارية لترويج هذه المنتجات بمقابل نسبة ربحية محددة.

المشكلة أنها غير مدروسة
المشكلة في المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر من وجهة نظر الباحث د. ياسر كريم أنها تبنى بأفكار غير مدروسة، ونادراً ما تكون ريادية، فقد يتعرض صاحب المشروع للخسارة في المال والجهد، وفي حال الخسارة يعني ذلك صدمة لصاحب المشروع، ولتجنب الخسائر يبين د.كريم أنه يجب أن تبنى بفكر علمي صحيح وأن تتبع لشركات كبيرة بعد موافقة غرف التجارة أو الصناعة أو أن يكونوا تابعين لشركات معينة وأن يبدأ بالمشروع بعد إنجاز دراسة الجدوى الاقتصادية والفنية له.
وأضاف كريم: إنّ الدقة مطلوبة، فالمقدمات الدقيقة تعطي نتائج صحيحة، مؤكداً أهمية التشبيك ما بين المشروعات الصغيرة مع الكبيرة و الاعتماد على أشخاص لديهم فكر العمل الخيري أو الوطني، حيث تشكل دعماً للمشاريع الصغيرة وأن يكونوا في دائرة الإنتاج سوية في النهاية، وهذا ما سينعكس على الاقتصاد ككل، وهذه التجربة مطبقة في اليابان ومن المهم الاستفادة منها.

د.رصيص: المهم تدريب أصحاب تلك المشاريع على تطبيق الخطوات وتحقيق الجودة والمطابقة للمواصفات، و لا بدّ من مراجعة واقع البنيـة التحتيـة الوطنيـة للجـودة

واقترح د. كريم التشبيك بين المشاريع الصغيرة والكبيرة مع وجود فكرة التنافس والفكر الوطني والخيري بمعنى؛ كل مشروع صغير تابع لمشروع كبير أو لشركة كبيرة تدعمه بالاستشارة والرعاية والتسويق، بموازاة تقديم التسهيلات والأهم الإعفاء من الضرائب والرسوم على الأقل في السنوات الأربع الأولى.

أحد مفاتيح التحول الاقتصادي

يرى د. أحمد الرصيص أستاذ مقرر التسويق في الجامعة الافتراضية أنّ المشـروعات الصغيـرة والمتناهية الصغر مهمة لنمـو فـرص العمـل، وهي أحـد مفاتيـح التحـول الاقتصـادي، التي يمكنهـا تحويل حيـاة الأفـراد والأسـر وتُسهم فـي تمكيـن المـرأة وفئات مجتمعية هشة. إذ يتم في هذه المشاريع الجمع بين الإدارة والملكية والعمل، حيث إن صاحب المشروع هو نفسه المدير المسؤول، وهو نفسه العامل ويساعده أفراد أسرته. واضاف: إنه يعتمد تحقيق مســتقبل أكثــر إشــراقاً للمشــروعات المتناهيــة الصغــر والصغيــرة إلى حدٍّ كبير علـى إمكانية التفكير خارج الصندوق في إيجاد طرائق لجسر الهوة بين متطلبات نجاح الأعمال (ومنها بشكل أساسي تبنّـي سياسـات حكيمـة بشـأن الجـودة والتسويق) وبين معارف ومهارات وإمكانات القائمين على تلك المشاريع.
ووفق رؤية د.رصيص، إن جهود ترويج وعرض منتجات تلك المشاريع عبر المعارض والمهرجانات بموازاة التشبيك مع صالات التجارة الداخلية المنتشرة على امتداد محافظات القطر، على أهميتها، إنما هي جزء صغير من أعمال التسويق التي يجب أن تُعنى بدراسة السوق وبعناصر المزيج التسويقي كاملة (المنتج، التسعير، المكان، الترويج) و يجب البحث في فرص ومتطلبات تصديـر منتجـات وخدمـات المشـروعات المتناهيـة الصغـر والصغيـرة وكيفية تســهيل نفــادها إلــى الأســواق، بمــا فــي ذلـك إدراجها فــي سلاســل القيمــة العالميــة. كما يجب الإلمام بقواعد التسويق الإلكتروني الحديث والتكامل بين الشركات .
وأضاف: من المهم تدريب أصحاب تلك المشاريع على تطبيق الممارسات الجيدة، وتحقيق الجودة والمطابقة للمواصفات، و لا بدّ من مراجعة واقع البنيـة التحتيـة الوطنيـة للجـودة (والتـي تتضمـن القيـاس والمعاييـر والتصديـق والاعتمـاد والتفتيـش والاختبـار) ،وتعزيزها لتزويـد المشـروعات المتناهيـة الصغـر والصغيـرة بخدمـات جـودة ملائمة وفعّالـة لمسـاعدتها علـى تحسـين إمكاناتهـا وقدراتهـا التنافسـية، لافتاً إلى دور حاضنات الأعمال ومراكز ومؤسسات ومنظمات الدعم، والخبراء والمختصين العاملين فيها في تقديم خدمـات استشـارية وورش عمـل وتدريـب وأبحـاث ملائمة.

اقرأ ايضاً:

ملف «تشرين».. من العشوائية إلى بناء هيكل بقوام مكتمل.. سجّل وطني للمشروعات ودليل تصنيف الأنشطة الاقتصادية الوطني قيد الإنجاز

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار
سورية وروسيا تحييان الذكرى الثمانين لإقامة علاقتهما الديبلوماسية في أمسية موسيقية بدار الأسد بدمشق الرئيس الأمريكي جو بايدن يتنحى عن الترشح لخوض انتخابات الرئاسة تستهدف ٢٧٣٦٦٤ طفلاً.. انطلاق الحملة الوطنية الشاملة للقاح الأطفال في حماة سورية ترحب بقرار محكمة العدل الدولية المتعلق بالآثار القانونية الناشئة عن سياسات الاحتلال الإسرائيلي في الجلسة الختامية للبرلمان العربي للطفل… الأمين العام يقدم الدروع التذكارية وبطاقة شكر للوفد السوري المشارك مادورو: انتخابات الرئاسة المقبلة ستحدد مستقبل فنزويلا قضية الإعاقة جزء من السياسة الوطنية للدولة تجاه المواطنين.. الوزير المنجد: المرسوم رقم 19يطور البيئة المؤسساتية المسؤولة عن ملف الإعاقة  135 ألف طفل مستهدف بالجولة الثانية لحملة اللقاح في حمص الوزير ابراهيم يبحث مع القائم بالأعمال بالإنابة في السفارة السودانية بدمشق علاقات التعاون العلمي والبحثي إذا كبر ابنك "خاويه" وإن كبر أبوك عليك أن ترعاه