22/10/2006

الحلويات الشامية الرمضانية عراقة وأناقة .. أهل الشام: في المعدة خلوة... لاتملؤها إلا الحلوى!!

في كتابه( القول الحق في بيروت ودمشق) يروي الشيخ عبد الرحمن بن سامي تفاصيل رحلة مديدة قام بها الى الشام وضمنها مشاهداته ومقابلاته ووصفاً لأحوال الناس وطبقاتهم وطقوس حياتهم وأيامهم وأعمالهم... الخ ويتحدث في جملة مايرويه عن الولائم والموائد في شهر رمضان المبارك وعن طقوس هذا الشهر الفضيل في دمشق ويركز في حديثه على السهرات الرمضانية العائلية التي يتشارك في احيائها اهل الحي( الحارة) جميعهم وعلى اختلاف اديانهم ومذاهبهم ولاسيما في حي الميدان الذي لايستطيع المرء أن يميز فيه بين المسلمين من سكان الحي والمسيحيين لا في أسمائهم ولافي ملابسهم ولا في طبائعهم ولافي طريقة ضيافتهم ولاحتى في سهراتهم وأطعمتهم لاسيما في رمضان.

فيخبرنا أن الدماشقة في رمضان يولمون الولائم الكثيرة بعضهم لبعض ولمن كان غريباً بينهم ايضاً واذا كانت الوليمة اكراماً لغريب( كما أولموا لي) دعوا اليها أصحابه وأصحابهم ليزدادوا سروراً وأنساً... ويستطرد الكاتب في سرد طريقة تقديم الطعام وفي الترحال للضيف مع التأكيد على أن( رمضان كريم وأن الاكل على قد المحبة) وهو يؤكد على ان ترتيب الموائد عند الدماشقة شرقي مئة بالمئة، فإنهم في رمضان يضعون صدراً ـ طبقا واسعاً يسمى في الخليج( المنسف) من نحاس اصفر يكون قطره متراً ونصف المتر على كرسي ارتفاعه نصف ذراع... ومن ثم يرتبون عليه صحاف الطعام الملونة ترتيباً يدل على الذوق السليم، ولهم ذوق في الاطعمة وتلونها ويضعون في جانب آخر صدراً ثانياً من مختلف أنواع الحلويات الطيبة والفواكه الشامية اللذيذة وما أن ينتهي المدعوون من مائدة رمضان حتى يتجهون لصلاة المغرب ثم الى صدر الحلويات الشامية الشهيرة واللذيذة التي تدعوك هي لالتهام كمية كبيرة منها.

فماذا عن رمضان وحلويات دمشق الرمضانية وعن أسواق دمشق في رمضان المبارك ‏

لحظة ثبوت الرؤية: ‏

في أواخر شعبان يحرص سكان دمشق مثلهم مثل كل سكان المدن العربية والاسلامية على متابعة الاخبارفي الاذاعة او التلفزيون للاستماع الى خبر اعلان ثبوت رؤية هلال رمضان ولحظتها تضاء الانوار في الاسواق وتعلق الزينات على المحال التجارية ويغمر الناس والباعة فرح عارم فيتبادلون التهاني والدعوات بشهر كريم وصيام مقبول وطاعة الله تعالى.... ومنذ لحظة اعلان ثبوت رؤية هلال رمضان المبارك تخرج طاولات وصواني صنوف الحلويات الشامية المشهورة بمختلف أنواعها وتعدد مسمياتها وتباين مذاقاتها رغم أنها كلها حلويات تخرج من داخل محال الباعة وصالات العرض الى الارصفة والشوارع فتنتشر روائحها الذكية ويدعوك حسن ترتيبها للمسارعة الى شرائها بعد ان تلبي دعوة البائع لتذوقها والتأكد من لذتها وحلاوتها. ‏

فنون الصنعة ‏

ويتفنن صناع الحلويات الشامية في ابراز مواهبهم وفي طرائق تصنيع هذه الحلويات ويتبارون في أساليب عرض نماذجها وفي استقطاب جمهور الصائمين الذين يتجمعون في حلقات وصفوف عفوية لكنها منسقة، اما للفرجة على براعة هذا الصانع أو لاختبار النوع الذي سيختمون به مائدة الافطار العامرة، فالشراء حاصل لامحالة لأن الحلويات مادة أساسية على مائدة رمضان عند كل عائلة شامية وكل يوم طيلة أيام الشهر الفضيل والحلويات التقليدية الشامية هي صنف لابد منه على مائدة أي اسرة في سورية وهي مشتراة من السوق بالضرورة، فالسيدات الدمشقيات خصوصاً والسوريات عموماً بارعات بما لايمكن منافستهن به في صناعة الحلويات المنزلية لكنهن بالقطع لايتعدين على الاختصاصيين في صناعة بعض الاصناف فالمرأة الشامية تصنع في بيتها القطايف والسمبوسك والاقراص لكنهن يتركن للصناع المهرة صناعة البلورية والمبرومة والآسية والعوامة والمشبك وغيرها. ‏

تعددت الاصناف والحلو واحد؟؟ ‏

رغم أن مشتريات الناس من الحلويات بكل أنواعها وصنوفها في شهر رمضان المبارك تزداد وتتضاعف الكميات التي ينقلونها الى بيوتهم إلا أن صناع الحلويات التقليدية التي تخص كل فصل من فصول السنة نظراً لان شهر رمضان يأتي في كل هذه الفصول ولكنهم في الوقت نفسه تعارفوا على تخصص صناع الحلويات في كل مدينة أو محافظة بنوع مميز يسجل تعارفاً باسم هذه المنطقة او المدينة وبالرغم من ذلك ورغم اشتهار كل منطقة جغرافية بنوع أو صنف أو أكثر من هذه الحلويات شتوية كانت أو ربيعية أو صيفية او خريفية فلابد أن تجتمع كل هذه الاصناف الفصلية في رمضان لكي يتاح للصائمين في كل مدينة ان يختاروا الصنف الذي يرغبون تناوله على مائدة رمضان وكل يوم من أيام الشهر الكريم، ففي حين تجد البقلاوة والبلورية والمبرومة والآسية تتصدر الواجهات في عروض جذابة تلحظ مزاحمة القطايف والمشبك والهريسة والنمورة والسياليات والعوامة... وغيرها لهذه المعروضات اما الكنافة الناعمة والخشنة بين النارين فإنها محط الاقبال والشراء في كل الفصول. ‏

200نوع من الحلويات ‏

يحصي الباحث قتيبة الشهابي عدد صنوف الحلويات في سورية والتي اشتهرت بها دمشق، حلب، حمص، اللاذقية، حماة وغيرها من المحافظات حيث تصل الى 200 صنف ويذكر ان تصنيع بعض الانواع تختص به أسواق دون غيرها فمثلاًِ تختص اسواق الدرويشية وباب الجابية والجزماتية في دمشق القديمة لصنع القطايف والكنافة في حين أن السنجقدار تختص بالبقلاوة والآسية والمبرومة والبلورية أما حمص وحماة فتختصان بحلاوة الجبن المحشوة بالقشطة أو الجبنة العربية البيضاء فيما تختص ادلب بالشعيبيات واللاذقية بالحلاوة( النفيشة) ودرعا بالراحة والحلقوم ودير الزور والحسكة بالكليجة والرقة بالسيالي والسويداء باللزيقيات اما حلب فهي ام البقلاوة والمبرومة أما الفيصليات أو الوربات فهي انتاج مشترك لكل المحافظات ومثلها المشبك والعوامة والكنافة. ‏

الأصلي ينتصر!! ‏

على الرغم من انتشار المحال التي تبيع الحلويات الغربية في دمشق كما في غيرها من المدن والمحافظات كالكاتو وما يماثلها ورغم الاقبال الشديد الذي تحظى به هذه الحلويات من قبل الشباب وماتتصدره من موائد ولاسيما في المناسبات إلا أن محال الحلويات الشرقية تتوالد وتتزايد وتفتتح فروعاً لها في الاحياء والمناطق والمدن والمحافظات وتلقى منتجاتها إقبالاً ورواجاً كبيرين ولاسيما في الأعياد والمناسبات وتشكل الحلويات الشرقية لازمة من لوازم تبادل الهدايا وضرورة من ضرورات الزيارات المتبادلة مابين الاسر ولاسيما في المناسبات الى جانب الازهار وتذكر الاحصائيات ان نسبة استهلاك المواطن السوري من الحلويات هي من اعلى النسب في العالم حيث يصل استهلاكه من السكر سنوياً الى 32 كغ وهي كمية تزداد وترتفع سنوياً ويعيد الدارسون هذا الاستهلاك الى ولع السوريين بالحلويات.

تواصي: ‏

وقد يضطر الراغب في نوع من أنواع الحلويات دون غيره الى الانتظار اكثر من يوم او يومين للحصول على طلبه الخصوصي الذي ابتدع له اصحاب محال الحلويات صفة التواصي بمعنى انه أوصى على هذا الصنف دون غيره ولذلك فإن صانع الحلويات سوف يصنع له طلبه بمواصفات افضل لكن هذا يستتبع بالضرورة سعراً مختلفاً وغالباً مايكون كاوياً بعيداً عن انظار المراقبة التموينية يدفعه الزبون راضياً مبسوطاً لأنه حصل على طلبه بمواصفات قياسية وخاصة جداً جداً.. ‏

وقد تزايد هذا النوع من التعامل بين الناس وباعة الحلويات حتى بات هؤلاء يصنعون كميات غير قليلة من التواصي بشكل مسبق ويحتفظون بها في داخل المحال او في المعمل ولا يعرضونها على البسطات او في واجهات محالهم ولكنهم يخبرون الزبون بصوت هامس أن بإمكانهم تصنيع طلبه وفق رغبته وبالكمية التي يحددها إذا رغب بالتوصية. ‏

حلويات للريجيم واخرى لمرضى السكري: ‏

مبدعو الاصناف الجديدة التقليدية من الحلويات شحذوا أذهانهم وقدحوا زنادات أفكارهم وفكروا ملياً بما يعانيه إخوانهم وأخواتهم من مرضى السكري او من الذين يعانون من السمنة او يخافون منها أو يرغبون في تطبيق نظام الحمية الريجيم لكنهم لايستطيعون مقاومة الاصناف الشهية والانواع الجذابة من الحلويات ولاسيما التقليدية منها فسارعوا الى ابداع اصناف من الحلويات بكل مسمياتها وأنواعها لكنها حسب زعمهم لاتسبب السمنة ولاتزيد نسبة السكري ولاترفع الكولسترول في الدم وهي مصنفة ـ حسب زعمهم أيضاً ـ من رقائق خاصة وسكر خاص ودهون خاصة ولشدة رغبة عشاق الحلويات فإنهم يقبلون على شرائها بل ويروجون لها ولا يلقون بالاً لنصائح الاطباء ولالإرشاداتهم. ‏

وحلويات لكل الفصول: ‏

يقول أبو عبدو الشامي ـ صاحب محل للحلويات الدمشقية الشهرية لرمضان المبارك والعيدين نكهة خاصة واستعداد خاص وفي هذا الشهر الفضيل وكذلك في عيد الفطر والاضحى يزداد إقبال الناس على تناول الحلويات بمختلف مسمياتها وهي ضرورة من ضرورات المائدة السورية بل صرنا نصنع حلوياتنا الدمشقية بنكهتها ومذاقها وحشواتها المميزة ونرسلها الى الاشقاء في دول الخليج العربي ولاسيما الى الكويت والسعودية ودولة الامارات حيث انتشرت سمعة الحلويات الشامية حتى صار الاقبال في مصر على الحلويات الشامية كبيراً رغم أن في مصر أنواعاً لذيذة من الحلويات. ‏

ويضيف: نحن في دمشق نحتفي بالشهر الكريم ولذلك نخرج الى عرض الشارع حيث نعرض ماننتجه من حلويات أمام الناس حتى غدا هذا الشكل من العرض فلكلوراً تشتهر به دمشق وخاصة منطقة الجزماتية والسواح في الميدان.

حيث يتجمع الصائمون ليتفرجوا على كيفية تصنيع الحلويات ويتأكدوا من نظافة وجودة المواد الداخلة في تصنيعها وهو يؤكد ان لكل محل شهرته ورزقه والتنافس في الجودة وطيب المذاق . ‏

وعن الاصناف يقول أبو عبدو: هناك حلويات خاصة برمضان المبارك مثل القطايف العصافيري والمشبك والعوامة وهناك اصناف شتوية واخرى صيفية لكن هناك اصناف تستهلك في جميع الفصول وهي مانسميها الانواع الفاخرة مثل المبرومة والبلورية وكول وشكور والمغشوشة والمدلوقة والآسية والعصملية والكنافة وحلاوة الجبن لكنه يستدرك وهذه أكلة حمصية وحموية انتقلت الى دمشق. ‏

مع الناس: ‏

في تجمع للناس أمام احد محال بيع الحلويات في الميدان عصر أول من أمس التقينا بمجموعة من المتجمهرين الذين أبدوا آراءهم فيما يرونه من حلويات معروضة.. ‏

السيد جمال ملص: الحلو يقصد الحلويات اساسي على مائدة الافطار والمائدة التي تخلو منه هي مائدة ناقصة ويضيف يا أخي لايمكن الاستغناء عن القطايف او الوربات او المبرومة، قال: لي ابن اختي الطبيب: يجب ان تنتبه وتخفف من أكل الحلو لكنني لا أستطيع ولذلك فأنا أحضر نوعين من الحلويات واحد لي خاص بمرضى السكري وثاني للاسرة لكن ـ يضيف ـ والله عيني على الصحن الآخر!! ‏

السيد يحيى ابو مسعود: الفرجة على تصنيع الحلويات متعة خاصة والشام مشهورة بحلوياتها حتى لو قالت لك أم الاولاد لاتجلب حلواً معك اليوم فأنت لاتستطيع ان تقاوم اغراء اصناف الحلويات الشامية ولذلك يقول ابو مسعود كثيراً ماوبختني ام مسعود اذا لاحظت أنني زودتها في كمية الحلويات التي أحضرها يومياً في رمضان. ‏

السيد هاشم الخطيب: يحار الرجل في اختيار الاصناف التي يحضرها الى بيته في رمضان لكثرة المعروض ولذة طعم الحلويات الشامية ولذلك انا أسألهم في البيت يومياً عن النوع الذي أجلبه ونحن نجدد في المصنف الذي نأكله حتى لانمل من صنف واحد. ‏

السيد أبو الطيب السرج صومالي مقيم في دمشق: نحن ايضاً اعتدنا على الحلويات الشامية وهي طيبة المذاقة وصارت جزءاً من مكونات مائدة رمضان رغم اننا ننتج حلويات صومالية لكن الحلويات الشامية والميدانية خاصة طيبة جداً ولذيدة جداً جداً. ‏

ت: موفق الحموي ‏

الصور:
  • lo005.jpg
  • lo005-1.jpg
  • lo005-2.jpg
  • lo005.jpg
  • lo005-1.jpg
  • lo005-2.jpg