24/07/2006

صوت متواصل لنول نسيج سوري.. يشدُّ «فرنسية» في رحلةِ ألف خيط وخيط..!!

فيما يشبه معرضاً تشكيلياً، أقرب إلى المعارض التركيبية.. وفي مكان يفتح أبوابه لأول مرة، ومنذ أكثر من ألف عام لزوار من نوع آخر..

أقامت الفنانة الفرنسية كلود ما بيله معرضها المتجوّل «ألفِ خيط وخيط» وأما المكان، فهو بعض الأروقة في قلعة دمشق.. كتواز تشكيلي بين قدم المكان وقدم «المعروض» في جنباته.. والذي هو النسيج السوري القديم الذي جمعته «مابيليه» على مدار رحلة في الديار الشامية استمرت سنوات بحثاً عن حرفيي النسيج التقليدي، رحلة تصفها بأوقات يسلك فيها الكلام دروب الذاكرة.. من دمشق إلى ضفاف الفرات، مروراً بحماة، الدريكيش، القصير، السلمية، الباب وحلب، حيث يستمر حرفيو النسيج من حرير وصوف وقطن في الوجود منذ قديم الزمان... ‏

أرض وخيط ‏

هذا المعرض يأتي ضمن مشروع «أرض وخيط» الذي تقيمه رابطة «خيط المغرة» منذ عام 2002 من مرسيليا، وكان أن أنتج فيلماً وثائقياً بعنوان «نظرات» عن الحرير الطبيعي السوري، وعدة معارض ستقام بين عامي 2006 و2007 في سورية وفرنسا.. وأما ما شدَّ كلود مابيليه إلى هذا «المشروع» الفني، فذلك لأنها ـ كما تقول ـ حفيدة أب عن جد عن جد.. من حرفيي النسيج في فرنسا.. وتضيف: في سكون السهب، وتحت خيم الرحل تضفي النساء الشاعرية على حياتها اليومية وتطبيقات النسيج كأنها كتاب مفتوح يروي قصة الحياة، إنه البحث عن الخصوصيات الثقافية للشعوب في وجه غزو ثقافي لفرض اتجاهه الأوحد..!!.

تقول: «عند منعطف زقاق، يشدُّ انتباهي صوت متواصل لنول نسيج في صدر فناء الدار، يُحضّر الطبّاع أقمشته القطنية المطبوعة على أسطح الخان.. بُهرتُ بألوان الشلل التي صُفّت للتو عند فتح باب مغزل الحرير يفسح البخار الغامر المجال لرؤية ولادة الخيط الذي سيصبح بعد عدة تحولات حريراً مذهباً (بروكار)..». ‏

ولأجل أن تلفت الانتباه للقيمة الحقيقية لنسيج سورية شكلت «مابيليه» فريقاً لجمع قطع النسيج بهدف حمايته من الانقراض كقيمة ثقافية وحضارية وتراثية... ‏

وكان جهد أربع سنوات معرضاً في مدرسة الشيباني، في حلب، لإعادة إظهار أشياء ظُن أنها فقدت. ‏

أروقة القلعة ‏

في أروقة القلعة إذاً، عرضت الفنانة الفرنسية ما جمعته من قطع النسيج السوري الدوري... وهنا وبموازاة ذلك كانت مواطنتها «صوفي بيرتيه» مديرة المشروع الأثري في قلعة دمشق، وكان لها دور في هذا المعرض ـ تعلن عن اكتشاف قطع من نسيج وجد في القلعة يعود إلى القرن الخامس عشر، وتعكس هذه القطع المهارات التي صنعت في الزمن القديم ولا تزال إلى اليوم.. ‏

وفي بهو طويل في مقدمة المعرض تصر كلود ما بيليه على أن تزوّر القادمين لمعرضها حوالي عشر لوحات تركنها هناك لمؤرخ آثاري وفنان تشكيلي سوري هو خالد معاذ (1904 ـ 1989) كجزء متناغم مع هذا المعرض، هي لوحات انطباعية لنساء سوريات، من مناطق مختلفة من الوطن يتدثرن ألبسة من الصناعة السورية القديمة، وخالد معاذ أحد رواد الحركة التشكيلية السورية، وفي رأي أندريه ريمون، فإن مجموعته الفنية وتحقيقاته الطويلة تشكل أساساً لا بد منه لكل من يهتم بالحفاوة الشامية... ‏

على الطريق ‏

في خط رحلاتها المتكررة تعرض ما بيليه وتتحدث عن: «الزرب» في السلمية، تلك الحواجز من القصب التى تنسجها النساء البدويات. إذ تغلف كل قصبة بخيط من الصوف مأخوذ ومن الألبسة المستعملة، ثم تجمع هذه القصبات للحصول على حواجز تصل لخمسة أمتار توفر هذه «الزرب» تقسيم مساحات الخيم للاستخدام المعيشي اليومي. ‏

فيما تشكل «الرشقات» وهي قطعٌ من القطن والملابس القديمة، بحجوم مختلفة، منظراً جمالياً نادراً تزين بها بيوت الشعر أو لستر الأشياء وحجبها. وأما مشاغل شعر الماعز التي كانت ذات يوم لصنع بيوت الشعر فقد انزاحت مهمتها اليوم لتكون قطع تزينية للأماكن السياحية وغيرها. ‏

ومن القصير والدريكيش، ومن انتاج «أنوال» عمرها أكثر من مئتي سنة، ثمة قطعا حريرية من إشاربات وعكل ولفحات وزنانير كمحاولة تحد لصناعة باتت تتقهقر..!! ‏

ومن تصميم فنانة نسيج أخرى ـ مارتين سيوتا ـ المقيمة منذ خمسة عشر عاماً، أقمشة مطبوعة من الحرير طُرزت بورشات دمشقية تبعاً لهذه الرسومات، وينبع عملها من إقامتها الطويلة في المنطقة، ومن طفولتها التي أمضتها في السنغال، حيث الوجوه التي تشبه الأيقونات.. في باب شرقي من مصنع للبروكار ثمة أقمشة من إنتاج ستة أنوال لا تزال تعاند إلى اليوم بضاعتها. ‏

فيما تبرز «التطبيقات» وهي قطع قماشية مقصوصة على قطع نسيج مختلفة: قطن، قماش مركب، تحتفظ البدويات بشكل عام بألبستهن التي بليت، وهذه «التطبيقات» تستعمل لتجميل الخيم وغير ذلك من الاستعمالات اليومية الأخرى. ‏

منذ سنوات خلت كان ثمة مئة وخمسون حرفياً يمارسون مهنة صناعة «اللبّاد» أما اليوم فليس هناك أكثر من (15) ورشة ما زالت تعمل هذه الحصر غير المنتشرة في الأسواق، صوت الخرفان الخام حيث ترسم الأشكال بوساطة قطع من اللبّاد المصبوغ على قطعة نسيج وتملأ الأقسام الفارغة بصوف أكثر كثافة، ثم يوضع فوقه كمية كبيرة من الصوف المُسرّح، ويتم لف هذا بوساطة أحزمة وإلى داخل مكبس ليخرج بعد ذلك «حصير» طوله أربعة أمتار تقريباً. ‏

فنون الأصابع ‏

تقول ما بيليه: الرابط بين الصناعة النسيجية اليدوية في سورية، وما وجدناه من نسيج في قلعة دمشق، حيث كلا النسيجين أثير ونادر اليوم، هو ما شجع على إقامة هذا المعرض في القلعة، الذي سيرحل بعد ذلك إلى جنوب فرنسا ـ مرسيليا ـ وهي أول مدينة فرنسية على طريق الحرير، وذلك في بيت الحرف ومهن الفن في أيلول وتشرين الأول القادمين، وسيكون حدثاً ثقافياً سورياً، يضاف إليه حفلات موسيقية وتراثية سورية.. ‏

هذه الصناعة اليدوية، حيث تتشابك الخيوط المعلقة، تنسج وشائج روابط عريقة بين الأب وأبنائه.. ذلك أنها صناعة تقوم على ورش، أقرب إلى العائلية التي تستمر بالتوراث. ‏

من هناك فإن كلود ما بيليه تتحدث عن ندرة الحرفيين وهذا ما حفّز أيضاً لهذا المعرض، أن تعرف، اسماءهم، فتشت عنهم منذ عام 2002، كتحف نفيسة، تنسج أصابعها: «البروكار، اللباد، الزرب، الرشقة، التطبيقات و... الحدف. ‏

ali ہ ">al-raee@hotmail.com ‏

ہ ترجمة ريم حداد ‏

الصور:
  • cu009.jpg
  • cu009-1.jpg
  • cu009-2.jpg
  • cu009.jpg
  • cu009-1.jpg
  • cu009-2.jpg