تشرين
15/08/2012

204 لقطاء ومستقبل مجهول!

وزير العمل: أفكار جادة بشأنهم قيد الدراسة

سن الثامنة عشرة نهاية الولاية.. لا مسكن ولا عمل فمن يتولاهم بعدها؟


تشير الإحصائيات العالمية الأخيرة الى أنه هناك ما يقارب 15 مليون طفل لقيط أو ممن يسمون بـ(مجهولي النسب) منتشرون حول العالم،

كل هؤلاء حرصت القوانين الدولية على إضفاء الحماية القانونية لهم منذ الولادة وحتى بلوغ سن الرشد، فالمادة 7 الفقرة 1 من اتفاقية حقوق الطفل أشارت الى أنه (يسجل الطفل بعد ولادته فوراً، ويكون له الحق منذ ولادته في اسم، والحق في اكتساب جنسية، ويكون له قدر الإمكان الحق في معرفة والديه وتلقي رعايتهما).
هذه الرعاية، وعلى الرغم من محدودية تلك الشريحة من الأطفال في المجتمع السوري، تولى من الدولة والجمعيات الخيرية كل الاهتمام المطلوب ضمن حدود المادة القانونية المنصوصة أي توفير الرعاية منذ الولادة  وحتى بلوغ سن الرشد وهو عمر الثامنة عشرة، وبعد ذلك يخرج الشاب أو الشابة من الدار كونهم أصبحوا قادرين  تماماً على إكمال مسيرة حياتهم الطبيعية، لتبدأ هنا معاناة هؤلاء في إيجاد المسكن وفرصة العمل للتفكير لاحقاً في الزواج في حال توفر ما سبق، فيتخبطون هنا وهناك بين الدار التي خرجوا منها والشارع الذي استقبلهم من دون أي عون إلا ممن استطاعوا إليهم سبيلاً.
فما مصير تلك الشريحة بعد خروجها من دار الرعاية؟ وما هي السبل لمساعدتها من قبل الجهات المعنية الحكومية منها والخاصة، ولاسيما أن البعض منهم استقر لاحقاً في السجون بعد أن احتواهم خارج الدار من يعبث بمستقبلهم من دون أي متابعة أو رقيب.

الولاية حتى الثامنة عشرة

تقوم وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل برعاية الأطفال اللقطاء وفق أحكام المرسوم التشريعي رقم 107 لعام 1970م وتعديلاته، إذ تنص المواد 5-6 حسبما ذكرت مديرة الخدمات الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل  الدكتورة ريما الحجار على أنه: تتولى الوزارة رعاية اللقيط وكفالته وتعليمه حتى يستطيع الاعتماد على نفسه وكسب عيشه، والولاية على اللقيط نفسه حتى اتمامه سن الثامنة عشرة، حيث تدخل في هذه الولاية سلطة التربية والتعليم العام والمهني والرقابة الصحية والاجتماعية وسائر أمور العناية بشخص اللقيط.
وتضيف الحجار: ونصت المادة /8/ على أن: تُنشأ دور لرعاية اللقيط مهمتها كفالة اللقطاء ورعايتهم من النواحي الصحية والتربوية والاجتماعية، وذلك حتى يستطيعوا العيش معتمدين على أنفسهم ويتم إحداثها بقرار من وزير الشؤون الاجتماعية والعمل في المحافظة التي يرى ضرورة لإنشائها فيها... وحددت المادة 18 أنه يعد بحكم اللقيط وتسري عليه أحكام هذا المرسوم التشريعي الأطفال مجهولو النسب الذين لا يوجد من هو مكلف بإعالتهم شرعاً والأطفال الذين يضلون الطريق ولا يملكون المقدرة للإرشاد عن ذويهم لصغر سنهم أو لضعفهم العقلي أو لأنهم صم بكم ولا يحاول أهلهم استردادهم.

إحصاءات

تبين إحصائية العام 2012 أن هناك 204 لقطاء، يتوزعون بين دار زيد بن حارثة لرعاية الأطفال في محافظة دمشق وهي الدار الوحيدة التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وتضم 114 طفلاً 67 ذكراً و47 أنثى، أما ما تبقى من الأطفال، وهم 90 لقيطاً فهم موجودون في جمعية كفالة الطفولة في محافظة حلب منهم 10 ذكور و80 أنثى
.
أما فيما يتعلق بآلية إلحاق الأطفال بالأسر والنساء وفق الشروط الواردة في القرار رقم 819 لعام 1981 وتعديلاته فقد ذكرت الدكتورة الحجار أنه على الزوجين اللذين يرغبان في حضانة طفل، التقدم بطلب خطي الى إدارة الدار أوالجمعية التي ترعى الأطفال اللقطاء يعربان فيه عن رغبتهما بحضانة طفل ويرفقان به الوثائق المطلوبة وتقوم الدار أو الجمعية بإجراء دراسة اجتماعية للأسرة أو المرأة من كل النواحي (المسكن – الحالة الاقتصادية والاجتماعية – التعليمية...إلخ)، وتدرس اللجنة الإدارية في الدار أو الجمعية الوثائق المطلوبة في ضوء الدراسة الاجتماعية، وتبدي مطالعتها بشأنها، ومن ثم إلى الوزارة مرفقاً بعقود الإلحاق، لتدرس الوزارة الطلب وتبت فيه إما بالموافقة وتوقيع العقود أو بالرفض عندما ترى أن مصلحة الطفل تقتضي ذلك.

أفكار جادة

رغم قلة عدد الشبان والشابات الذين يخرجون من داري الرعاية سنوياً بعد إتمامهم سن الثامنة عشرة، إذ لا يتجاوز عدد هؤلاء الستة أشخاص سنوياً، إلا ان القلة منهم يجدون من يساعدهم في إيجاد مسكن يؤويهم وعمل يعيلهم طبعاً بالتعاون مع إدارة الدار وعلاقاتهم الاجتماعية والشخصية.. أما الآخرون ممن خرجوا فلا يمكن لإدارة الدار توقع مصيرهم، ولا يمكن لهم بأي صيغة قانونية كانت مساعدة هؤلاء او تتبع حياتهم الشخصية إلا بعودة هؤلاء الشباب مراراً وتكراراً الى الدار يرجون فيها المساعدة من الإدارة وبشكل شخصي من دون منهجية واضحة وعلمية بالطرق والسبل الممكنة لمساعدتهم، كون هذا الأمر حقاً وواجباً على الجهات المعنية فلا تذهب كل القيم والمبادئ والتربية الصالحة التي تلقاها هؤلاء الشباب في الدار هباء منثوراً وتكون النهاية غير مرجوة للمجتمع أولاً ولهذه الشريحة ثانياً
الخيمي: لابد من حلول جذرية... ولا نريد لأبنائنا اللجوء إلا لراعيهم الأول والأخير وهو الدولة
.
هذا ما أكد عليه وزير الشؤون الاجتماعية والعمل الدكتور جاسم محمد زكريا فقال: الدولة هي الأسرة الكبيرة لكل مواطن، وهذه الشريحة من الشباب لا بد من توفير كل الرعاية لهم حتى يتمكنوا من مواجهة الظروف الحياتية التي قد تعترضهم في المستقبل، هذه الرعاية تتمثل أولاً ببرامج تعليمية مهنية تربوية تعمل على إعداد هؤلاء ليكونوا قادرين على الاندماج في المجتمع وإنشاء أسر صالحة، وثانياً تقديم كل العون لهذه الشريحة من خلال أفكار جادة تدرس الآن مع مختلف الجهات المعنية سيكشف عنها لاحقاً.

تجارب ما بعد الدار

حاولنا التعرف من خلال هذا التحقيق على أوضاع بعض ممن خرجوا من دور الرعاية، ويحاولون اليوم الاندماج في مجتمعهم رغم كل الظروف السيئة التي يواجهونها، حسب وجهة نظرهم، إذ تحدث احدهم شارحاً معاناته بعد سنوات من خروجه فقال: في البداية قدم لي المسؤولون في الدار كل العون لإيجاد  عمل في القطاع الخاص، وخلال هذه الفترة استأجرت منزلاً مع أحد أصدقائي لنعين بعضنا بعضاً على أمور المعيشة، ولأسباب معينة تركت عملي وبدأت البحث عن عمل آخر ولكن من دون جدوى  ولفترة طويلة أصبحت فيها عبئاً على كل من أعرفه، وأصبحت أتردد بشكل شبه يومي الى الدار التي نشأت فيها وللمرة الثانية ساعدوني أيضاً على إيجاد عمل ومازلت الى الآن أعمل فيه، إلا أنني لا أفكر في الزواج وتكوين أسرة فما أحصل عليه من عملي يكفيني قوت يومي، ولا أعرف ماذا ينتظرني في المستقبل.
ويضيف: ليست أعدادنا بالكثيرة ومع ذلك يخرج الشاب منا فلا مسكن يؤويه ولا عمل فأين مسؤولية الدولة عن هذه الشريحة بإيجاد الحلول المناسبة لمشكلاتها أو على الأقل وضعها في بداية الطريق.
أحد هؤلاء الشباب أيضاً تحدث عن الحالة النفسية التي يخرج بها الشاب الى الشارع بعد سنين من إقامته في الدار فيقول: أول الأمر يشعر الشاب بالسعادة كونه سيصبح مستقلاً بقراره وحياته قبل أن تبدأ معاناته بكل تفصيل من تفاصيل حياته المعيشية كانت أو الاجتماعية، وعلى الرغم من كل الدعم الذي تقدمه إدارة الدار لنا بتأمين ما يمكن لهم تأمينه إلا أن هذه الحلول ليست جذرية وهي ليست من مسؤوليتهم، نحن نطالب بقوانين تنصف وتساعد من هم في وضعنا.
واحدة من الشابات التي بلغت سن الثامنة عشرة علمنا بأنها عملت مع الجمعية المسؤولة عن الدار التي تربت فيها وهي محظوظة مقارنة بأصدقائها كونها وجدت من هو قادر على مساعدتها بالشكل اللائق والأفضل.

حلول جذرية

مجمل الحالات السابقة وغيرها ممن لم نستطع الوصول إليها، تبدأ بعد خروجها من الدار باللجوء الى هذا وذاك لتقديم ما يمكن تقديمه لمساعدتهم، وهو ليس بالحل المناسب لهذه الشريحة ولاسيما أن البعض منهم غير مهيأ نفسياً لتحمل هذا العبء وسيلجأ للطريق الأسهل غير المشروع كالسرقة وغيرها، والدليل على ذلك دخول بعض الشباب الى السجن بعد سنوات قليلة من بلوغهم الثامنة عشرة والخروج من الدار.
مديرة دار زيد بن حارثة لرعاية الطفل في دمشق السيدة هنادي خيمي حدثتنا عن واقع هؤلاء الشباب فقالت: هاجسنا اليوم في الدار تأمين الرعاية اللازمة بعد خروج أطفالنا من هنا، فلا نشعر بأن كل ما قدمناه من قيم وأخلاق وتربية حسنة قد ذهب أدراج الرياح عند أول مطب يقع فيه الشاب أو الشابة في هذه المرحلة من عمره، ولاسيما أننا نرى الأمل والحياة يسكنان وجوه أبنائنا ولا نريد لهم اللجوء إلا لراعيهم الأول والأخير وهو الدولة، لذلك لابد من حلول جذرية لهذه المشكلة
.
ولدى سؤالنا عن هذه الحلول أجابت السيدة خيمي: من أمانينا اليوم إمكانية الاتفاق والتنسيق بين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ووزارة الإسكان للسعي نحو الخروج بقرار يمكن لنا من خلاله التسجيل لأبنائنا في مسكن خاص بهم منذ سن الرابعة عشرة بدلاً من الثامنة عشرة، إذ لكل واحد من هؤلاء الأطفال حساب خاص به بما لديه من تبرعات وستقدم الدار المساعدة بدورها لهم، وبذلك ستكون مشكلة المسكن وهي الأهم قد حلت... أما بالنسبة للعمل فنحن نعتمد بشكل رئيس على القطاع الخاص لتأمين عمل مناسب وكريم لأبنائنا بعد خروجهم، أما بالنسبة للذين يكملون دراستهم الجامعية فلديهم مسكنهم الخاص في المدينة الجامعية.

جمعية صندوق الرجاء

بالاتفاق والتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تتولى جمعية صندوق الرجاء الخيرية مهام الإدارة في دار زيد بن حارثة وهو أنموذج للتكافل الاجتماعي والتشاركية بين المؤسسات الرسمية والمدنية، إذ تمارس الجمعية دوراً مهماً في قضية هؤلاء الشباب بعد خروجهم من الدار، ولكن بدورها أيضاً تسعى لإيجاد حلول جذرية لمشكلتهم من خلال عدة خطوات حدثتنا عنها السيدة ندى الغبرا - عضو مجلس إدارة جمعية صندوق الرجاء الخيرية فقالت: بدأت الجمعية بعد توقيعها عقد شراكة مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بمهمة الإشراف على الدار وتمويلها من مختلف النواحي وأخذت على عاتقها مهمة تنمية الأطفال كموارد بشرية فاعلة تتفاعل مع المجتمع إيجابياً وتساهم في بنائه ورفاهه، ولنكمل هذه المهمة ونحافظ على جهودنا المبذولة لابد من تأمين مستقبل هؤلاء الشباب وذلك من خلال تأمين السكن والعمل لهم ودمجهم في المجتمع بمساعدتهم على الزواج وتأمين احتياجاتهم الأولية، وهذه المهمة تقع على مسؤوليتنا جميعاً، لذلك لابد من التنسيق والخروج بالقرارات اللازمة لتأمين حياة كريمة لأبنائنا من أطفال الدار مستقبلاً.
الصور:
  • IMG_9275.jpg
  • IMG_9283.jpg