تشرين
11/06/2012

أرصفة الهـدر !

محافظة دمشق أنفقت مئات ملايين الليرات على تقليع البلاط في بضع سنوات

حالات من قلع الأرصفة دون مبرر وبشكل متكرر


اعتدنا منذ سنوات مشاهدة عمال يجهدون في تغيير بلاط أرصفة المدينة حتى أصبحت من الثوابت مع قدوم كل محافظ جديد أو مسؤول ليتم مباشرةً تغيير الأرصفة في المدينة أو على أقل تقدير استبدال بلاط الرصيف في محيط منزل

 ذلك المسؤول وحتى تزفيت الشارع المقيم فيه ...حتى غدت هذه الإجراءات من النوادر التي يتحدث بها الناس من باب الفكاهة وبالمقابل نجد أن هناك أرصفة ً لم تمتد إليها يد التغيير منذ سنوات ربما لأنه لم يسكن في المنطقة مسؤول ....أو لأن سيارات المعنيين تحتل الأرصفة فلا يتمكن العمال من استبدال بلاط الأرصفة وكثيراً ماطالب المواطنون وأعضاء مجلس المحافظة بضرورة تأهيل هذه الأرصفة التي لم تمتد إليها يد التغيير أو الكف عن  هدر المال العام في بعض الأحياء التي كانت تستبدل أرصفتها في العام الواحد أكثر من مرة وفي كل مرة بلون وشكل جديدين.

 الاستبدال

محمد رفيق شاويش عضو المكتب التنفيذي لشؤون المرافق والخدمات في محافظة دمشق قال:  إنه لدى المحافظة خطة عمل لهذا العام نقوم على تنفيذها وهي بمجملها تصب في خدمة المواطن من ضمنها  أعمال الأرصفة المقترحة والمعتمدة من دوائر الخدمات (بلاط أنترلوك والأطاريف )  ستنفذ عن طريق ورشات مديرية الصيانة وإجمالي كمية البلاط الموضوعة للخدمة تبلغ 17661 م2 من بلاط الأرصفة وهي تستخدم في أعمال إنشائية و32532 م 2 تستخدم في أعمال تأهيل للأرصفة و11781 م2 تستخدم في أعمال رصف الحارات الضيقة وإجمالي الأطاريف 14167 م2 .
وأضاف شاويش: إن الخطة تظهر  أن كلاً من منطقتي ساروجة و  المزة تعتبران من أكثر المناطق تخديماً بالأرصفة حيث حدد لكل واحدة منهما قرابة 6 آلاف متر مربع من البلاط ومنطقة الميدان والقنوات وركن الدين حصة كل منطقة منها قرابة خمسة آلاف متر مربع من البلاط وتأتي منطقة القدم في المرتبة الأخيرة حيث بلغت حصتها حوالي ألف متر مربع .
وأشار شاويش إلى أن هناك اقتراحاً لجعل الطريق الواصل بين باب مصلى جزماتية والقاعة والبوابة مرصوفاً بحجر اللبون لإعادة المنظر التراثي للمنطقة وبمساحة تصل إلى 17 ألف م2 وهناك اقتراح لرصف سوق الجمعة طلعة الماوردي في منطقة شيخ محي الدين  بحجر اللبون وبمساحة تصل إلى 500 م 2 وكذلك منطقة المهاجرين  جادة (الباشكاتب - العاطف - الشطة) وبمساحة تصل إلى 400م2.
وذكر المحامي فيصل سرور عضو المكتب التنفيذي في محافظة دمشق عن قطاع التخطيط والمالية أن محافظة دمشق لم ترصد أي اعتماد في موازنتها لهذا العام لإنشاء الأرصفة والأطاريف ومن الممكن وفي حالات الضرورة القصوى أن تقوم دوائر الخدمات بتأهيل الأرصفة من قبل مديرية الصيانة وعلى البند الثامن المتعلق بالمشاريع الطارئة وأضاف سرور: إنه حتى في العام الماضي لم يتم إبرام أي عقد مع أي متعهد لإنشاء أرصفة أو أطاريف وفي الموازنة العامة تم  رصد 10% منها للمشاريع الطارئة في كل المديريات ومديرية الصيانة واحدة منها.

رصيف خمس نجوم

محمد الإمام وهو من سكان منطقة المزة وعضو  في لجنة الحي قال: إن في منطقة المزة شيخ سعد قرب كازية السقا  تم تأهيل الرصيف بطريقة جميلة جداً وحضارية (خمس نجوم ) طبعاً سبب الاهتمام  الكبير ليس من أجل الصالح العام وإنما توجد صيدلية لابن مسؤول كبير سابق  ولكن وبالمقابل في الطرف الثاني من الشارع وعلى بعد عشرة أمتار لا أكثر هناك رصيف سيئ جداً يعرقل سير الأهالي  ويتسبب بسقوطهم في الحفر الموجودة فيه ...
وأضاف الإمام: إن أرصفة بنايات المزة 14 منذ عام 1974 لم يتم تأهيلها و منظرها لا يليق بها كحي من أحياء المدينة حيث معظم الأرصفة مكسرة وإن وجد البلاط فيكون بعدة أشكال وألوان إضافة إلى أرصفة المزة أوتوستراد  مقابل الجلاء وحتى نهايته لم يطلها الاستبدال والتغيير منذ ما يقارب الثلاثين عاماً وإن حدث  فيتم ترقيع بعض الأماكن حتى إن من يمشي على هذا الرصيف يرى ما حل به من سوء.  

العشوائيات

مهنا جبارة عضو مجلس محافظة دمشق قال: إن مناطق السكن العشوائي من المناطق المغضوب عليها في الخدمات بشكل عام وموضوع الأرصفة بشكل خاص والمعاناة تظهر بوضوح في فصل الشتاء حيث تصبح الأرصفة المكسورة مثل الفخ أمام المواطن وذلك عندما يدوس على البلاط المكسور ومن هذه المناطق (الدويلعة والطبالة).
وفي الطرف الآخر نجد  في المناطق الراقية يتفنن المعنيون  في تبديل الأرصفة بين الحين والآخر حيث تجدها تارةً حمراء وتارةً أخرى صفراء حيث يتم إدخال النقوش بين الأرصفة ومثال على ذلك منطقة الفيلات الغربية في المزة.
ويعتبر المواطن  أيمن عنان  أن المشكلة تكمن في أن كل واحد يغني على ليلاه وكل دائرة وبلدية ومؤسسة تعمل مستقلة لا علاقة لها بالأخرى  والخاسر الأكبر هو المواطن  حيث هذه التكاليف يدفعها من جيبه إضافة إلى التعب والتلوث العام الناتج عن الإصلاحات المستمرة للأرصفة .

الحلول المزاجية

المختار أبو خالد يقول: لا تكاد تخلو منطقة أو حي من أحياء المدينة من عملية الاستبدال أو قلب أو إعادة تأهيل أو تحسين  فبعض الأرصفة الموجودة كأنها  لوحة فسيفسائية مختلفة الألوان والأشكال تشكلها خريطة الأرصفة انطلاقاً من منطقة دمر إلى المزة إلى المهاجرين إلى الجسر الأبيض فالبرامكة وكفرسوسة وغيرها فهذه اللوحة تشاهد تفاصيلها كلما قطعت مسافة لا تزيد على مئات الأمتار فنجد العمال وورش الصيانة والرمال الحمراء المستخدمة غالباً في عملية التبليط, مظاهر اعتاد عليها الجميع منذ سنوات وكأنها تكرست كظاهرة تشابه العديد من الظواهر الموجودة في مدينة أتعبتها الحلول الفردية والمزاجية.‏‏

تنفيذ سيئ

المواطن زاهر الحسن قال: من المؤسف ما يحدث من عمليات مستمرة لاستبدال وتكسير وتبليط لأرصفة المدينة والذي أنهك المال العام بسبب هذا التغيير المستمر الذي لم يرق حتى الآن إلى إنشاء أرصفة بمواصفات جيدة فبعضها عال بحيث لا يسمح أحياناً لفتح باب سيارة تتوقف بجانبه أو لمعوق أو مسن أو طفل  بالصعود فوقها وبعضها نفذ بطريقة سيئة فيشعر المار فوق أرضها بعدم استواء مناسيب سطحها ووجود انخفاضات وبروزات.‏‏
وأضاف زاهر: إن من يرى تنفيذ هذه الأرصفة يظن أننا لا نملك كفاءات جيدة من مهندسين وفنيين وهم في رأيه (أكثر من الهم على القلب).

إشارة استفهام

مهنا جبارة أشار إلى أن آلية عمل صيانة الأرصفة في محافظة دمشق تتم مع القطاع العام وهذا القطاع الوحيد (مافي غير حديدان في الميدان) يقوم بتكليف جهات خاصة في إجراء مشاريع الصيانة والتأهيل مقابل مبلغ معلوم أي يلعب هذا الحديدان دور الوسيط بين المحافظة والقطاع الخاص وهو بالمقابل لا يقوم بأي عملية إنتاجية سوى السمسرة .

تلميع صورة المسؤول

قالت السيدة منتهى أم نادر : إن كل مسؤول جديد(محافظ)  يسعى لتلميع صورته أمام من هو أعلى منه فيقوم بعملية قلب الأرصفة وشوارع المدينة لكونها في الواجهة لإبراز انجازاته وكأن الأرصفة باتت هي الموضوع الوحيد الذي يمكن للمسؤول من خلاله تحقيق الرضا لدى رؤسائه.‏‏
المواطن بلال الذي يسكن في  منطقة البرامكة  قال: إن أرصفة جيدة وصالحة يتم استبدالها وإعادة تبليطها مع أنها لا تحتاج في الحقيقة لذلك حتى إن الناس بدأت تفكر أن ذلك يتم لأسباب خاصة وليست عامة وربما لآلية غير صحيحة لذلك نأمل أن تكون هناك أولوية في الاصلاح والترميم ونتمنى أن يعطى اهتمام خاص للمناطق الفقيرة والمهملة,‏‏ وهذا المسلسل المكسيكي بدأ منذ عشرات السنين ولم تنته أحداثه البائسة إلى الآن ولو تم احتساب ما صرف على إصلاح واستبدال الأرصفة لكان كافياً لبناء مدينة جديدة بحجم دمشق.

بقرار من مجلس الوزراء

المهندس محمد عادل الأزهر مدير الصيانة في محافظة دمشق قال: إن موازنة الأموال المصروفة لبلاط الأرصفة في دمشق في عام 2005 كانت أكثر من 111 مليون ليرة وفي عام 2010 وصل إلى قرابة 113مليون ليرة وفي عام 2011 تم صرف أكثر من 92 مليون ليرة وبالطبع تنفذها ورشات الصيانة وأنه لا يتم خلع أي رصيف إلا إذا كان سيئاً جداً وبنسبة تتجاوز 70% حيث إن بعض أرصفة مدينة دمشق مركبة منذ أكثر من ثلاثين عاماً ولم تستبدل لأنها بحالة فنية جيدة ولم يتم تنفيذ حفريات فيها علماً بأن استبدال الأرصفة متوقف منذ عام 2007 حتى عام 2011 وتم اعتماد خطة استبدال لعام 2012 بكمية ضئيلة جداً 5000م2 للبلديات المركزية و2000م2 للبلديات المتبقية وذلك لبعض الأرصفة السيئة جداً والتي بحاجة للترميم نتيجة لكثرة الحفريات.
وأضاف الأزهر إن النموذج المعتمد لبلاط الأرصفة هو البلاط الانترلوك يتم تصميمه حيث يركب على الرمل ويروب برمل المازار فقط وهذا يسهل فك البلاط وإعادة تركيبه عند تنفيذ الحفريات ضمن الرصيف ما يوفر الأموال على الدولة,  ويوجد معمل لدى محافظة دمشق لتصنيع هذا البلاط بكادر من المحافظة وبعض الأرصفة تم تنفيذها في المشاريع الأخيرة من البيتون المطبع.
  ولفت إلى أن الأرصفة القديمة والتي حالتها الفنية جيدة لا يتم تغييرها, وعن أوتوستراد المزة قال: توجد له دراسة كاملة تتعلق بمشروع اللاين باص علماً بأنه كان مدرجاً ضمن خطة استبدال الأرصفة لعام 2007 التي تم إيقافها لاحقاً بقرار من مجلس الوزراء حيث اقتصرت أعمال الأرصفة على الحلول المرورية وإنشاء الأرصفة والأعمال الطارئة.

316 مليون ليرة

نجد أن محافظة دمشق أنفقت نحو 316 مليون ليرة خلال سنوات قليلة لاستبدال  بعض الأرصفة وكان  التنفيذ سيئاً وقد أقر المهندس عادل الأزهر بأن الأرصفة لاتستبدل إلا إذا كانت سيئة جداً وبالمقابل أقر بوجود أرصفة لم تشملها عمليات الصيانة لنحو ثلاثين عاماً وهنا نتساءل: أليس من الأجدى للمحافظة أن تعتمد الطريقة القديمة  في تأهيل بعض الأرصفة التي صمدت ثلاثين عاماً لتخفف من الهدر في المال العام أولاً وتوزع الخدمات بعدالة على جميع الأحياء ثانياً هذا ما نضعه برسم المعنيين فهل نجد صدى لكلامنا؟....
الصور:
  • IMG_5420.jpg
  • IMG_4073.jpg