12/01/2005

قراءة الرجل في جسد المرأة وصورتها: المرأة في كتب التراث العربي القديم

تضعنا كتب التراث العربي القديم، التي تناولت موضوع الجنس والأدب الإيروتيكي، أمام قضية هامة،هي مسألة التعبيرالحر الذي كان متوفراً في تاريخنا القديم عن موضوعة الجنس، في الوقت الذي تدخل فيه هذه القضية في وقتناالراهن في باب المحظورات، أوالمسكوت عنه على الرغم من التباين الزمني بين الحقبتين.. وإذا ما عرفنا أن أهم من ألفوا تلك الكتب المعروفة، كانوا رجال دين أوقضاة شرعيين، ازداد شعورنا بالمفارقة، لاسيما أن مجرد تداول هذه الكتب في وقتنا الحالي غيرممكن.. والغريب أن الثقافة العربية في الأربعينيات من القرن العشرين كانت على درجة من الانفتاح والحرية سمحت فيه بصدور كتاب «معجم النساء» الذي يعد خلاصة لما كتب في موضوع الجنس والأدب الإيروتيكي في التراث العربي القديم.

مؤلف الكتاب عبد الرحمن البرقوقي اختص في شرح وتدقيق العديد من دواوين الشعر العربي القديم وكتب البلاغة، وقد توفي قبل أن تكتمل طباعة فصول الكتاب الذي صدر عام 1945 عن مكتبة النهضةالمصرية، فتولى نجل المؤلف الإشراف على عملية طبعه، وتأتي الطبعة الجديدة التي صدرت حديثاً معتمدة على تلك الطبعة الوحيدة، لكن الناشر ارتأى تغيير عنوان الكتاب ليصبح «دولة النساء: معجم ثقافي، اجتماعي، لغوي عن المرأة» وكأنه بذلك يريد أن يضفي على الكتاب صفة شمولية وعلمية تجعل منه معجماً ثقافياً عاماً بدلاً من أن يكون كتاباً في المرأة، وما قيل فيها وعنها في كتب التراث العربي القديم بخصوص علاقتها الجسدية مع الرجل، أوبخصوص الصفات التي ميزت طبعها وسلوكها من منظور المؤلفين القدماء، وهو ما يمكن أن يساعد الباحث في استقراء موقف الثقافة العربية القديمة من المرأة، ونظرتها إليها، إذ تميزت تلك الثقافة بطابعها الفحولي، إضافة إلى كون جميع الكتاب الذين كتبوا في موضوع المرأة، وتناولوا صفاتها وطباعها وأهواءها كانوا من الرجال وبذلك تقدم هذه المؤلفات وثيقة حيّة لصورة المرأة ومكانتها عن الرجل، ولرؤيته إليها، وعلاقته بها. ‏

تتجلى شمولية الكتاب فيما سعى الى جمعه من أقوال البلغاء ومن نظم في المرأة وصفاتها الجسدية والإيروتيكية من شعر، وما قال فيها الفلاسفة والحكماء، إضافة إلى ماورد في الأحاديث والقرآن بشأنها، ما يدل على ثقافة المؤلف الواسعة، واطلاعه الكبير على ثقافة عصره، وإن كان عنوان الكتاب يوحي بعكس ذلك، إذ أراد أن يدلك على الكيان الخاص لعالم المرأة، وما يختزنه هذا العالم من أسرار وخصوصيات يسعى الكتاب للكشف عنها، واستبطانها في الوقت الذي يكون فيه مؤلفو مراجع الكتاب والمدونات التي اعتمد عليها من الرجال ما ينفي وجود أي كيان بعيد عن إدراك ورؤية الرجل له، وإلا لما كتبوا في طباعها وخصائصها وعلاقتها الجسدية مع الرجل. ‏

يقدم الكتاب عند حديثه عن المواصفات الجسدية، وما هو مرغوب أو مكروه منها، وجهتي نظر الرجال والنساء، وإن غلبت رؤية الرجال إلى ما يفضلونه في المرأة حيث تبدو المرأة البكر في مقدمة ما يرغب من النساء، وماتنصح به أقوال الرجال سواء أكانوا شعراء أو أناساً عاديين، ثم تأتي المرأة الثيب في الدرجة الثانية، ثم المرأة الولود وهكذا.. والرجال هنا زيادة على رؤيتهم إلى المرأة كجسد ومتعة، ينطلقون من اعتبارات أخرى يدل عليها مفهوم البكر، أي التي لم يُمْتلك جسدها بعد.. لكن ثمة رؤية تؤكد على أن النساء هن شقائق الرجال، وهذا ما يحاول الباب الأول من الكتاب أن يبحث فيه من خلال الحديث عن مكانة المرأة على الرغم من محاولة بعض الرجال أن يجعلوا من المرأة مسبة يرمون بها خصومهم، ومن الواضح أن المؤلف في هذا الباب يستند إلى الآيات القرآنية التي تحدثت عن المرأة كمدخل لتحديد مكانتها، ولا ينسى أن يستشهد بأقوال مأخوذة من الإنجيل والحكماء والكتاب والقادة العالميين ثم ينتقل إلى اللغة ليدرس وضع المرأة فيها من حيث المعنى والصرف ومن حيث الأسماء التي تطلق على كل مرحلة عمرية، فهي أولاً طفلة ثم وليدة وكاعب وناهد ومعصر فعانس.. إلى آخر ما هناك من ألقاب. ‏

ولبيان حال هذه الثقافة ونظرتها إلى المرأة هناك قول يذكره الكتاب في سياق الحديث عن الأسماء التي تطلق على المراحل العمرية المختلفة للمرأة وهو «خُبأة خير من بقعة سوء» أي أن امرأة تخبّئ نفسها في البيت خير من غلام سوء لا خير فيه.. ففي مثل هذه المفاضلة نجد الوضع الدوني الذي عاشت فيه المرأة، فهي لم تتميز إلا بخضوعها لسلطة العرف والسلطة الاجتماعية على الرجل السيئ، وإلا لكانت دونه حكماً. ‏

ويتناول الكتاب كنايات الرجل عن المرأة وهي كنايات تفضح صورة المرأة في هذه الثقافة التي لم تجد تشبيهاً يليق بها إلا الحيوانات، فكنيت بالنعجة­ البقرة الوحشية­ والشاة أي الظبية والقلوص بمعنى الفتيّة من الإبل إضافة إلى القارورة والحِراث والفراش والدمية أي الصورة المنقوشة.. ويبحث في أسماء الزوجة فهي حليلة الرجل وعرس الرجل وحنّته وطلته وربضه وزوجه (بالتذكير) مايلغي وجود المرأة في اللغة، ويلحقها بالتذكير.. ثم القرينة والشهلة وبيته.. يخصص الباب الثاني للحديث عن الملاحة والجمال وعبقرية الرجال في جمال المرأة إجمالاً وتفصيلاً، وحضهم إياها على التجمل والنظافة والزينة. وهنا يروي الكتاب العديد من قصص الرجال المعروفين مع النساء بالإضافة إلى ما قاله الشعراء القدماء في جمال المرأة، ووصفهم لذلك الجمال. ‏

ويمكن للقارئ أن يحصل على حشد وافر من الأوصاف التي أطلقها العرب على عناصر الجمال في جسد المرأة، وهي تتناسب مع رؤية العرب القدماء لجمال المرأة، ويعتبر هذا الفصل من أطول فصول الكتاب نظراً لتناوله جوانب الجمال المختلفة عند المرأة كما يراها الرجل، ويرغب في أن تكون المرأة الجميلة عليها، حتى فيما يتعلق بأعضاء المرأة الداخلية، والألوان التي يجب أن تتميز بها كالبياض والحمرة والسمرة والطول والقصر والسمنة والنحافة إلى جانب الثياب والحلي التي يجب أن ترتديها. ولا ينسى المؤلف في نهاية هذا الفصل أن يوجه نصائحه الى نساء اليوم، أي نساء زمانه، بخصوص لباسهن وما يرتدينه من حلي، وهو في نصائحه يتراجع عن وضع المرأة كما كان قديماً، إذ يظهر التباين بين ما يطالب المرأة به، وما يورده بعد ذلك عن الثياب وأنواعها التي ارتدتها المرأة العربية. ‏

ويبحث الفصل الثالث في حض الرجال على التوصة بالنساء والإشفاق عليهن.. والغريب أن الأحاديث والحكايا التي يقدمها هذا الفصل تتحدث عن أشكال مديح النساء لأزواجهن، وإقرارهن بالوظيفة التي حددها لهن المجتمع، وهكذا نجد أن هذا الفصل أيضاً يخصص قسماً للحديث عن كيفية سياسة الرجل المرأةَ، ويتبين من التعابير الكنائية التي تطلق على أوصاف المرأة الصالحة؛ مايجعلها تتماثل في سلوكها مع الفرس المطاوعة العنان، أي الخنوع والاستجابة لمن يقودها وهو الرجل.. ‏

وبعد أن يفرد صفحات طويلة لمايريده الرجل من المرأة، وما يراه جميلاً فيها أو ما يجب أن تكون عليه من صفات، يخصص حيزاً لحديث البنات وما يحببن من الرجال. ‏

وينتقل في الباب الرابع الى موضوع فتنة النساء وحضّ الرجال على توقّيها، ونلاحظ أن المرأة في كثير من الأحاديث التي تروى عن رواة كثيرين وعن شعراء تقترن بصورة الشيطان لأنها رمز للإغواء والإثارة.. في حين أن الباب الخامس يتحدث عن العفة وصون النفس ثم يعود في الباب السادس لاختيار النساء للشباب والمردة وتفجع الرجال على الشباب، إضافة إلى زهدهم بالعجائز وما قالوه في الخضاب واللحى والصلع، كما يتحدث عن الأبكار والثيبات والمهور ونظر الرجل إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها.. وهنا نلاحظ مرة أخرى أن العرب لم تخجل من ذكر الجوانب الجنسية التي يفضلونها في تلك المرأة أثناء اتصالهم معها جسداً،كما يتحدث عن النكاح في الجاهلية إضافة إلى رغبة المرأة في الزواج ووصفها لمحاسنه. وتظهر حيادية المؤلف في ذكره لكل ما قيل في غدر المرأة وفي وفائها.. ثم يتحدث عن عبقرية الإسلام في تعدد الزوجات. ‏

­ الكتاب: دولة النساء: معجم ثقافي اجتماعي لغوي ‏

­ المؤلف: عبد الرحمن البرقوقي ‏

­ تحرير: بسام الجابي ‏

­ الناشر: دار ابن حزم­ بيروت 2004. ‏

الصور:
  • bo001.jpg
  • bo001.jpg