04/12/2004

حَدَثَ في مهرجان دمشق المسرحي الثاني عشر.. /« نساء سعد الله ونّوس» يقتحمن الخشبة بلا رتوش

بعودة مهرجان دمشق المسرحي إلى الحياة بعد توقف طويل ، بدأت تتجّدد دماء المسرح المتخثرة ، ويعود الاهتمام إلى هذا الفضاء الإبداعي ، الذي يستقطب اهتمام الجمهور الجاد والمسرحيين والنقاد بما يثيره من قضايا ومشكلات إنسانية .

ولعل أبرز ما يلفت الانتباه في هذه الدورة من المهرجان تلك المشاركة النسوية المتميزة نوعاً وكمّاً على مستوى الإخراج والتمثيل والتأليف معاً . فبعدما لفتت الأنظار المخرجة الأردنية سوسن دروزة في عرضها المونودرامي «مصابة بالوضوح» الذي أعدّته وأخرجته عن نص لها وقدّمته ساندرا ماضي ، جاءت اللبنانية نادين جمعة لتعّزز الانطباع عن الجهد الأنثوي الإبداعي من خلال عرضها «نساء سعد الله ونوس» الذي قدمته ضمن فعاليات المهرجان في دورته الثانية عشرة على مسرح دار الكتب الوطنية في حلب . ‏

النّص مقتبس من ثلاث مسرحيات لسعد الله ونوس هي: «الأيام المخمورة» و«أحلام شقية» و «يوم من زماننا». وقد شارك في تمثيله أنجو ريحاني، وهبة مجاهدين ، وجيزيل خوري ، وميريلا خوري ، ودارين شمس الدين ، وعبد الرحيم العوجي . وتكوّن الكادر الفنّي من سارة أبو شعبان مصممة الرقص ( الكريو غراف ) وإيلي العظم ( رقص ) وهيفاء فردون ( الصوت ) وينجاد الأسعد ( الإضاءة ) . ‏

فالعرض كما يبدو من عناصره نسيج نسائي بامتياز ، إخراجاً وأداءً وتصميماً واقتباساً . واقتصر حضور الرجل فيه على الدور الذي أداه عبد الرحيم العوجي ، وهو دور الزوج الفظ الذي يمثل أحد وجوه الاستبداد الشرقي .

يُبرز العرض حالات القهر التي تعاني منها المرأة بوصفها الضحية الأولى لعلاقات اجتماعية مشوّهة يتحكّم بها الرجل وفق مفاهيمه المتوارثة وذكوريته الفجّة . فالنساء اللاتي قدمتهن نادين جمعة يجسدن وجوها متعدّدة لامرأة واحدة في حقيقة الأمر ، وإن كانت معاناة كل واحدة منهن تختلف عن الأخرى . لأن هذا الاختلاف كان في المظهر وليس في الجوهر ، والمعاناة واحدة وإن اختلفت حدّتها ودرجتها بين واحدة وأخرى منهن . ‏

فالمرأة الأولى تعيش مكرهة مع زوجها ، وتستمر في الحياة معه بحكم الضرورة لا الاختيار ، لأنها محاصرة بقيم المجتمع وأعرافه الظالمة ، وليس بوسعها مواجهة العواصف التي سيثيرها زوجها لو اتخذت قرار الانفصال عنه بمفردها . ومن هنا تكمن مأساتها وحالة الصراع التي تعيشها بين أن تقبل أو ترفض ، بين أن تتحدى أو تخنع ، وهي بين الحالتين تخسر وجودها الحقيقي، وتصبح نهباً لقطبي الصراع اللذين يتجاذبانها . ‏

والمرأة الثانية تقع ضحية مرض «السيلان» الذي ينقله إليها زوجها عبر علاقاته غير الشرعية مع البغايا ، ومع ذلك لا تقوى على البوح بهذا السّر ومواجهة هذه الحقيقة إلاّ على خشبة المسرح حيث تتفجر دموعها وتشكو حالها إلى الجمهور . وقد أجادت دارين شمس الدين أداء هذا الدور بفطرية وإحساس أنثوي عارم . ‏

أما الثالثة التي يخاطبها زوجها باسم «البضاعة المغشوشة» لأنها لم تكن عذراء ليلة دخلتها ، وتخفق في توضيح ما جرى لها أمام عريسها وإقناعه ببراءتها ، فإنها تطعن في كرامتها ليل نهار ، ولا يتوقف زوجها عن شتمها ولعنها حتى يقبض الثمن من أبيها ، وحينذاك يصرخ بأعلى صوته إنها كانت عذراء . ‏

وهكذا ، في هذا المناخ السوداوي ، تستمر حالات النساء المقهورات اللواتي لم يستطعن فعل شيء سوى التعبير عن أزمتهن بأصواتهن وأجسادهن ورقصاتهن التعبيرية وحتى صمتهن عن الأسى العميق الذي يلف حياتهن ويجعلها جحيماً لا يطاق . ‏

إن «نساء سعد الله ونوس» المقموعات في الواقع ، صرخن على الخشبة ، وقدّمن أنفسهن بلا رتوش ، ليضعن ربما للمرة الأولى أسرار «غرفة النوم» على الخشبة وأمام الجمهور ، مقتحمات بذلك أحد «التابوات» التي ظلت محرمة على التناول والتداول علانية . وعبر الكشف عن أسرار هذه «الغرفة» يبدو المشهد واضحاً بكل فجاجته وعنفه ولا أخلاقيته . حيث المرأة ليست سوى جسد ، ومستودع لإفراغ الشهوات العابرة ، بل سلعة للبيع والمقايضة لا أكثر ولا أقل . ‏

إن جرأة سعد الله ونوس على اقتحام هذه المناطق المحرّمة في نصوصه المسرحية تبعتها جرأة نادين جمعة في تجسيدها فنياً على خشبة المسرح عبر الكلمة والإيماءة والحركة والضوء والإيقاع في تناغم هارموني كليّ مدهش ومثير . ‏

/ السينوغرافيا / ‏

سينوغرافيا العرض تشي بشفافيته وتتيح للمتفرج الربط بين الكلمة والمشهد والحركة ، فليس على المسرح سوى ستارة بيضاء توحي بغرفة النوم ، وآلة خياطة تجلس عليها دارين شمس الدين ( ماري ) التي تخيط فستان عرسها طيلة العرض ، هذا الفستان الذي يتحول إلى كفن أبيض لها ولرفيقاتها الأخريات ، كفن لهن في الحياة والموت . وما بين الستارة وآلة الخياطة يمتد الفضاء المسرحي متيحاً المجال لأداء الرقصات التعبيرية التي ترافقت أحياناً مع ترنيمات غنائية حزينة وشجية تعمق المشهد وتنقل إيحاءاته إلى المتفرج بكل شفافية . ‏

إن الفساتين البيضاء التي ارتدتها الممثلات أبرزت جمالهن ورقتهن حتى بدون أشبه بالحمائم على المسرح ، لكن تلك الفساتين نفسها ظلت تذكّر المُشاهد بمصيرهن المأسوي، ولكأن تلك الفساتين تخفي خلف بياضها وشفافيتها الوجه الآخر للحقيقة، حقيقة دفنهن أحياء أمام صمت الجميع. ‏

في «نساء سعد الله ونوس» قالت المرأة ما لا يمكن أن تقوله إلاّ على المسرح، وأي مسرح يتيح قول ذلك على خشبته يبشّر بآمال كبيرة ما زلنا ننتظر تحقيقها ، فنحن كما قال ونوس في رسالته إلى المسرحيين في يوم المسرح العالمي : ما زلنا نحيا بالأمل . ‏