خيارات الطباعة:




13/09/2009

رؤى تشكيليّة حديثة ومعاصرة حول تداعيات الانقلاب الراديكالي بالفكر الفني

بعد كتابه (قراءات في فن التصوير الحديث) الذي تناول فيه المحطات التاريخيّة الحديثة والمعاصرة، أصدر الفنان التشكيلي والباحث اللبناني الدكتور يوسف غزاوي كتابه الثاني المعنون بـ (رؤى تشكيليّة حديثة ومعاصرة) أثار فيه جملة من القضايا والشؤون التشكيليّة الراهنة، بهدف فتح النقاش على الفن المعاصر وخضوعه للجاهز الصنع، أو للإبداع الصناعي، والمحيط اليومي (كما أورد في مقدمة الكتاب) هو إشكالية بحد ذاتها، تتطلب مؤلفات بأكملها، ودراسات متواصلة، نحن العرب بحاجة ماسة إليها لنعرف حدود عطاءاتنا وموقعنا في هذا العالم المتسارعة وتيرة إنتاجه، من لم يواكبه، يعش دائماً على فتات موائده، مقلداً لأشكاله وأشيائه. ويُرجع الباحث غزاوي عدم مواكبة ومشاركة العرب في صنع نتاجات العصر الفنيّة لعوامل عدة، ليس أقلها جهلهم بأهم ما أنتجته وتنتجه عبقرية الفنان الغربي على شتى الصعد والميادين (سلباً كان أم إيجاباً) وهذا يعود برأيه، إلى غياب الكتابات النقديّة التحليليّة المواكبة لها, والمشكلة قد تتضاعف وتكبر وتتأزم لتكاد تنفجر موقفاً عدائياً من كل التيارات الفنيّة الحديثة والمعاصرة.


من أجل ألا يحدث هذا، ولكونه شاهداً عن كثب، أثناء دراسته في فرنسا، معظم النتاجات الفنيّة المعاصرة، ووقف على تفاصيلها وحضورها ولغتها وطرحها، يحاول عبر ما يصدره من كتب، وقدر المستطاع، المساهمة في ردم الهوة بين المتلقي العربي (لا سيما الاختصاصي) وبين ما انداح عن الانقلاب الراديكالي بالفكر الفني، وما يفرضه من أسئلة وإشكاليات تتنوع وتختلف وتتمظهر بأشكال عدة.

تنبؤات وتأثيرات ‏

أثار الباحث غزاوي في كتابه، أربع قضايا فنيّة ملحة، أولاها (كتابات الفنانين التشكيليين ورؤاهم: تنبؤات وتأثيرات). فتوقف بداية عند كتاب الفنان التشكيلي الروسي الأصل (فاسيلي كاندينسكي 1866 - 1944) -الروحانية في الفن- الذي نشره عام 1911 باللغة الألمانية، وقد تزامن مع أول عمل تجريدي له. ‏

في هذا الكتاب الذي شكّل مفصلاً هاماً في الفن الحديث، يُذكرنا (كاندينسكي) أننا نقف على عتبة عصر الخلق النافع، لأنه يعتقد أن هذه الروح هي على علاقة عضويّة مباشرة مع فن التصوير، مع الخلق الذي سبق بدؤه في المملكة الروحيّة، لأن هذه الروح هي النفس لمرحلة الروحانيّة الكبيرة. ‏

والحقيقة، بتأثير كتاب كاندينسكي (الروحانية في الفن) توجه علماء النفس لاستعمال اللون في العلاج النفسي، عبر تحليل انعكاساته على اللاوعي وما ينتج عنه من تأثيرات وتداعيات. ‏

بعدها توقف الباحث غزاوي عند كتابات الفنان الروسي (كازيمير ماليفيتش 1878 - 1935) الذي شكل مع (كاندينسكي) و(موندريان) أعمدة الفن التجريدي الذي ظهر بداية القرن العشرين. و(ماليفيتش) مميز لسببين: الأول ارتباط عمله بأحد الأحداث الكبرى للتاريخ المعاصر في القرن العشرين، والثاني ذهابه إلى الحدود القصوى في التصوير التجريدي من خلال عمله الشهير (مربع أبيض على خلفية بيضاء) وهو من مؤسسي البعد الرابع في اللوحة (البعد الكوني). كما تنبأ هذا الفنان بالأقمار الاصطناعيّة وبشبكة الإنترنت منذ قرن، ما يؤكد أسبقية الفن -في آحايين كثيرة- على العلم في بعض الاكتشافات.

أوهام ما وراء التصوير ‏

في الموضوع الثاني، يثير الباحث غزاوي ظاهرة الفنان الألماني الشهير (ماكس أرنست 1891- 1976) الذي يعتبر من مؤسسي الاتجاه السوريالي في التشكيل المعاصر، وكان من السباقين في استعمال لعبة التلصيق (الكولاج) في إنجاز أعماله، وهو (فنان الأوهام) كما أطلق عليه الشاعر الفرنسي المعروف (أراغون). يرى المؤلف د. يوسف غزاوي أن العقلانيّة في الفن في القرنين التاسع عشر والعشرين، جاءت كردة فعل على الحروب الكبرى، كما حصل مع الرومنطيقية والانطباعيّة ببعض جوانبها، وتأتي على رأس تلك التيارات (الدادائيّة) كإحدى منابع (السورياليّة) فقد شرّع هذان التياران الثورة التصويريّة، وصاغا الجملة العدميّة قبل اللجوء إلى الطفولة والأحلام واللاعقلانيّة، ولهذا دعا مؤسس السورياليّة (أندريه بريتون) في بيانه إلى الخيال وهذيان المجانين، وعادات وتقاليد البدائيين، وأحلام الطفولة والآليّة النفسية للبالغين كمنابع للخلق والتفكير. لقد تلقف (ماكس أرنست) هذه الأفكار مع مجموعة من الفنانين الذين انخرطوا في هذا التيار، فكان خير ممثل لها وللتيار السوريالي، بل لقد ذهب بعيداً بتلك الأفكار، وأعطاها نفحاته الخاصة الهستيريّة، وانفلتت الرقابة التي كانت تسيطر على العمل الفني سابقاً. حاول هذا الفنان الغور ما وراء التصوير ليؤكد لنا أن لا حقيقة في الفن، بل إن الأمر بمنزلة أوهام نعيشها ونحياها، أوهام متأتية من قلب الصور والمعادلات والأخلاق والأديان، أباح لنفسه المحظورات في الفن والمجتمع، وثار عليها عبر عمله للوصول إلى تلك المعادلة، وكان يردد دوماً: إن دور الرسام يكون بمحاصرة ورمي ما يراه داخل نفسه.

الفن المفاهيمي وامتداداته ‏

في الموضوع الثالث من كتابه (رؤى تشكيليّة حديثة ومعاصرة) يتوقف الفنان التشكيلي والباحث في علوم الفن الدكتور يوسف غزاوي عند الفن المفاهيمي وامتداداته، وثنائية عودة الصنمية، وظاهرة تحطيم الصور، فيؤكد أن (الفن المفاهيمي) أو (التصويري) هو الشكل الأكثر راديكاليّة لفن القرن العشرين، والأكثر إشكالية وتطرفاً وغموضاً بالمعنى التاريخي للكلمة. وهو فن أمريكي النشأة والهوية والبعد، بالرغم من بذوره المتأتية من الفنان الأوروبي (مارسيل دوشامب) عملاً ونظريةً، ومن الإسقاطات الدادائيّة المتمثلة بالثورة على تاريخ الفن ونتاجاته ورموزه. ‏

لقد شكّل الفن المفاهيمي في نهاية الستينيات من القرن الماضي، عنصراً من عناصر الثورة الثقافيّة، وظاهرة موازية للحركة الطلابيّة الروك وللثقافة المضادة، لذلك فإن الفنانين الشباب الممثلين له كانوا من جيل 1968 الذين عبّروا عن الصور (الأيقونات) المضمرة في كل فنون هذا القرن، وبشكل تناقضي ظاهري، يُسرع ظاهرة الوثنيّة (الصنمية) حيث يشهد على ذلك السوق الغربي في الوقت الحاضر. ‏

ويستعرض المؤلف بعض الأسماء التي ساهمت في إطلاق ظاهرة (الفن المفاهيمي) ومنها الفنان الألماني (جوزيف بويز) الذي سخر من تاريخ الفن و(دونالد جاد) فنان العلب الملونة الذي ألغى التعبير الشخصي و(أندي وارول _وارهول_) الفنان الأمريكي المتعدد المواهب، أحد أبرز فناني (البوب آرت POP ART) و(جان تانغلي) الفنان السويسري الذي استعمل في إنجاز أعماله آلات مضحكة وهزليّة وتراجيديّة و(فرانك ستيلا) الأمريكي الذي شكّل ظاهرة فنيّة مميزة، وهو مبتكر الفضاء متعدد الأبعاد. ‏

فن الأرض ‏

بعد ذلك، ينتقل الباحث غزاوي للحديث عن فن الأرض الذي يعتبر شكلاً من أشكال الفن المفاهيمي الذي اعتمد على المفاهيم والرموز، وندد بمشكلة بيئيّة تهدد وجودنا، وأشار إلى قدرة الإنسان على تغيير الأرض أو تحسينها أو تشويهها، وتنتمي معظم تظاهرات هذا الفن إلى (فن التجهيز) المؤقت، حيث يعمد الفنان إلى توثيق العمل عبر وسائط سمعيّة أو بصريّة ومرئيّة، كما في أعمال الأمريكيّة (دونا هينيس) والبريطاني (آندي غولدزورثي) ومواطنه (ريتشارد لونغ) والبلغاري (كريستو) وزوجته الفرنسيّة (جان كلاود) والأمريكيّة (ألسي أيكوك) و(نانسي هولت) وغيرهم. ‏

الرسوم الذاتيّة ‏

الموضوع الرابع والأخير في كتابه (رؤى تشكيليّة حديثة ومعاصرة) يفرده مؤلفه الباحث غزاوي لـ (أنا - الرسوم الذاتيّة للقرن العشرين) وهي أعمال رسمت وجه القرن العشرين ومؤلفة من الصورة الذاتيّة، أي الموديل الوحيد الذي لا يعرف الملامة والعتاب، فمهما يكن انتماؤهم الفني المدرسي، نراهم في لحظة التصوير واقعيين، و(الصورة الشخصية تستجوب دائماً من ينظر إليها) على حد تعبير مؤرخ الفن (باسكال بونافو). ‏

يبين الباحث غزاوي أن سبب وضعه لهذه الدراسة يعود لشقين اثنين: الأول شغفه بالتصوير الذاتي منذ كان على مقاعد الدراسة في الجامعة اللبنانيّة، وكان عليه أن يختار موضوعاً لرسالة تخرج الدبلوم، فوقع اختياره على موضوع الوجه في فن التصوير الذاتي (الأوتوبورتريه) عند كل من الفنانين (دافنشي، رامبرانت، بيكاسو، فان غوخ). أما السبب الثاني فيعود إلى المعرض الذي أقيم في باريس عن التصوير الذاتي الحديث في متحف (اللوكسمبورغ). ويرى الباحث غزاوي أن هذا النوع من الفن، لم ينل الكثير من الدراسات والتصنيفات، حتى إن تسميته (التصوير الذاتي) لم تظهر في القواميس إلا حوالي عام 1990. وقد تعددت المصطلحات التي أطلقت عليه، فقيل (صورة شخصية) أو (صورة ذاتيّة) أو (تصوير وجه الفنان نفسه) لكن هذا الجنس من الفن موجود وقديم منذ أن كان هناك نظرة الآخر والانعكاس والمرآة وأسطورة (نرجس) أو تأكيد الأنا من خلال المحللين النفسيين. والتصوير الذاتي كما يرى البعض نوع من التعري الروحي دون تسويات، وهو طريق نحو الأنا المخبأ، وقد مارسته أغلبية الفنانين إن لم نقل جميعهم. ‏

- الكتاب: رؤى تشكيليّة حديثة ومعاصرة. ‏

- المؤلف: الدكتور يوسف غزاوي. ‏

- الناشر: الجامعة اللبنانيّة. ‏

- الصفحات: 256 صفحة. ‏

- القطع: المتوسط. ‏

المؤلف في سطور: ‏

فنان تشكيلي وباحث، أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانيّة في معهد الفنون الجميلة ومنسق الماستر -فنون تشكيليّة (الفرع الأول). حائز شهادة دكتوراه دولة في العلوم الجماليّة وتقنيات الفنون- فنون تشكيليّة في جامعة باريس 8 في العام 1992، وعلى دبلوم الدراسات المعمقة في تاريخ الفن من جامعة السوربون في باريس عام 1986، وعلى دبلوم الدراسات العليا في الرسم والتصوير من معهد الفنون الجميلة في بيروت عام 1983، كما درس في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس ما بين عامي 1987- 1989. ‏