خيارات الطباعة:




06/10/2007

وقائع حرب تشرين التحريرية عام 1973

تطل علينا في هذا الشهر تشرين الأول الذكرى الرابعة والثلاثون لحرب تشرين التحريرية ويطلق عليها بعض الأخوة العرب (حرب العاشر من رمضان عام 1393هـ)وهي الحرب العربية ـ الاسرائيلية الرابعة.

والحرب الأولى التي ينتقل فيها زمام المبادرة الى جانب العرب في صراعهم مع العدو الصهيوني وكانت تلك أكبر حرب تدور رحاها في المنطقة من حيث تعداد القوات وكمية العتاد وحجم الخسائر، وقد هدفت من الوجهة العسكرية الى اخراج القوات الصهيونية المعتدية من الأراضي العربية المحتلة عام 1967م، وتمكين الشعب العربي الفلسطيني من استرجاع حقوقه الوطنية المشروعة فهي إذاً «حرب عادلة». وقد اتسمت هذه الحرب بعدة سمات مميزة وتنفرد بها عن سمات وخصائص الحروب التي سبقتها وأبرز هذه السمات: الاستخدام الكثيف للقوات المسلحة والعتاد الحربي في القتال، الطابع الديناميكي للأعمال القتالية من حيث وتائر التقدم أو الهجوم وتلاحق الأعمال القتالية بسرعة وعنف، الدعم العسكري العربي للقوات العربية السورية والقوات المسلحة المصرية في تلك الحرب ،استخدام وسائط قتالية جديدة ومبتكرة كالقذائف م اد، والقذائف م ا ط، والصواريخ أرض أرض، والحجم الكبير في الخسائر من حيث القوى البشرية والعتاد الحربي الأساسي .ولايعرف تاريخ الحروب الحديثة مثيلاً لهذا الصراع الضاري وهذه الخسائر الضخمة التي وقعت في مهلة قصيرة جداً لاتتجاوز العشرين يوماً. ‏

إعداد الدولة السورية للحرب 1 ـ يتضمن اعداد الدولة للحرب «من الوجهة النظرية» مجموعة من التدابير الرئيسة أهمها: اعداد القوات المسلحة، اعداد الشعب، اعداد أجهزة الدولة، اعداد الاقتصاد الوطني، اعداد مسرح العمليات المنتظر، وسوف نستعرض بعضاً من هذه التدابير وفق التجربة العربية السورية في حرب تشرين التحريرية.

في 16 تشرين الثاني من عام 1970م قام السيد الرئيس الفريق حافظ الأسد بحركته التصحيحية التي أعطت عملية اعداد القوات المسلحة العربية السورية دفعاً لم تعرفه من قبل فقد شهد عام 1971بالاضافة الى تشكيل قيادات هامة تبدلاً نوعياً في تسليح القوات فقد امتلك الجيش العربي السوري وقتئذ أنواعاً حديثة من الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات، وكذلك الصواريخ الموجهة المضادة للطائرات، وقد حققت القوات المسلحة في ذلك العام نمواً كبيراً إذ زاد حجم القوات البشرية حوالي 50% عما كانت عليه في السابق بينما تضاعف عدد الدبابات والعتاد المدفعي كما شهد العام نفسه اتمام تشكيل ادارة جديدة ذات أهمية بالغة في الحرب الحديثة هي: « إدارة الحرب الالكترونية» وزاد عدد الدبابات بالاضافة الى المدفعية م اط المحمولة على هياكل الدبابات وناقلات الجند المدرعة الحديثة ودخلت الصواريخ الباليستية التسليح السوري ويمكن القول إن القوات المسلحة السورية تطورت خلال ست سنوات بين عامي1967 ـ 1973 تطوراً كبيراًً، حيث أصبح تعداد قواها البشرية مع بدء الأعمال القتالية في حرب تشرين حوالي ربع مليون مقاتل، ورافق هذا النمو الكبير في العدد نمو مماثل في حجم العتاد حيث أصبحت القوات المسلحة السورية تملك عشية حرب تشرين وفق تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أكثر من 1000 مدفع وحوالي 1800 دبابة، وبمقارنة هذه الأرقام مع الحجم الذي كانت عليه عام 1968م نجد أن النسبة قد ازدادت بمعدل أربعة أضعاف، بمختلف أنواع العتاد الحربي ووجهت خطط التدريب منذ قيام الحركة التصحيحية لخوض حرب التحرير المرتقبة. ‏

وفي نطاق إعداد جماهير الشعب للحرب بدأت القيادة السياسية العسكرية العليا بعد حرب عام 1967م حملة واعية مدروسة كي تغرس في نفوس المواطنين والمقاتلين جملةمن القناعات أولها «أن ماأخذ بالقوة لايسترد الا بالقوة» وأن تحرير الأرض المغتصبة واستعادة الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني هما الهدف الرئيس لأمتنا العربية وأن قواتنا المسلحة هي الأداة الرئيسة لتحقيق هذا الهدف. ‏

من هنا، خلصت القيادة السورية الى نتيجة ركزت عليها كثيراً لكي يدرك كل مواطن أو مقاتل مهما بدت له وظيفته قليلة الشأن أن على تنفيذه واجبه بوجدان كامل ووعي قد تتوقف نتيجة المعركة ومصير الوطن. ‏

أما التدابير التي اتخذتها القيادة العسكرية العليا السورية لاعداد أجهزة الدولة للحرب فقد بدأت القيادتان السياسية والعسكرية معاً عقب انتهاء عدوان عام 1967 في اتخاذ التدابير الكفيلة باعداد مرافق الدولة كلها للحرب والتي تركزت على هدفين أساسيين هما: استمرار عمل الدولة بأجهزتها الحديثة كاملة خلال الحرب بشكل يضمن قيامها بواجباتها وبما يطلب منها من مهام ضماناً لاستمرار تقديم الخدمات على مختلف الصعد، والهدف الثاني تأمين حماية المنشآت الاقتصادية الحيوية الهامة في البلاد كالمعامل والسدود والمصافي وخزانات الوقود والموانئ والمستودعات الرئيسة والتي كان خطر تعرضها للاصابةمن قبل العدو متوقعاً، للرد على أعمالنا أو عن مبادرته للعدوان ويشكل عبئاً على القيادة العسكرية عند اتخاذ القرار. ‏

توجيه الضربة العربية الموجهة الى العدو الصهيوني: ‏

عند بداية حرب تشرين التحريرية عام 1973م كانت القوات الاسرائيلية المعادية تضم في قوامها حسب تقديرات المصادر الأجنبية حوالي 415 ألف مقاتل (بعد التعبئة) و1700 دبابة قتالية، و690 طائرة، و84 حوامة و49 سفينة قتالية وقد أقامت دفاعاً محصناً وعميقاً على ضفاف قناة السويس (خط بارليف) وخطاً دفاعياً آخر على مشارف هضبة الجولان المحتلة (خط إيفال آلون) وتشير المصادر الأجنبية نفسها الى أن حجم القوات التي شاركت في الحرب العربية ـ الاسرائيلية الرابعة كان مليوناً وسبعمئة ألف رجل وبلغ اجمالي حجم العتاد القتالي للطرفين نحواً من ستة آلاف دبابة قتالية ومايزيد عن ألفي موقع متنوع. ‏

حشدت القوات العربية السورية مقابل الدفاعات الاسرائيلية حوالي 700 دبابة في فرق النسق الأول الهجومي و100 مدفع و130 طائرة قتالية أغارت على المواقع الاسرائيلية من ارتفاعات منخفضة وبعد تمهيد ناري لمدة ستين دقيقة شرعت الموجة الأولى من الدبابات السورية هجومها تحت تغطية نيران المدفعية والطيران فاخترقت الدفاع الاسرائيلي في عدة قطاعات ولكنها لاقت صعوبة في اختراق القطاع الشمالي من الجبهة، دارت المعارك ضارية على مختلف قطاعات الجبهة طوال ثلاثة أيام اتخذ القتال فيها طابع المبارزة النارية بين الدبابات، وفي منتصف اليوم الثاني بلغت الدبابات السورية أقصى اندفاعة لها على الجناح الأيسر للقطاع الأوسط باتجاه كفر نفاخ ـ جسر بنات يعقوب حتى شارفت على نهر الأردن بينما تمكنت قوات أخرى من استعادة «القنيطرة» بعد أن تكبد الطرفان خسائر فادحة بالدبابات. ‏

قد يضيق بنا المجال لشرح سير الأعمال القتالية اللاحقة، ولكن يمكن القول إن القوات المتحاربةطبقت في هذه الحرب والتي وضعت أوزارها يوم 24/10/1973 بناء على قرار من مجلس الأمن الدولي طبقت خلال هذه الفترة أحدث أساليب التكتيك وآخر نظريات القتال ومارست مختلف أنواع القتال الهجومية منها والدفاعية كخرق المناطق المحصنة واقتحام الموانع المائية والقتال في المدن وفي الصحراء (بالنسبة لسيناء) وفي الجبال والتطويق والتسرب والاقتحام العمودي (استخدام الانزالات الجوية) والدفاع الثابت والدفاع المتحرك واستخدام كمائن المضادة للدبابات والمضادة للطائرات وغير ذلك من الأساليب القتالية. ‏

واستخدمت في هذه الحرب كل أنواع الأسلحة التقليدية وأحدثها بما في ذلك القذائف الصاروخية الموجهة ووسائط الحرب الالكترونية والتشويش السلبي والايجابي فكانت مسرحاً لاختبار العديد من الأسلحة والتقنيات الحربية الحديثة، ومجالاً للتحقق من أساليب استخدامها وبخاصة ما يتعلق منها بتنظيم الدفاع الجوي، واستخدام الطيران القاذف والمقاتل واستخدام الحوامات والقذائف الصاروخية التكتيكية والمضادة للطائرات والمضادة للدبابات على الأرض وفي الجو والصواريخ الباليستية أرض ـ أرض وصواريخ القوى البحرية أيضاً. ‏

نتائج حرب تشرين التحريرية عام 1973 ‏

1 ـ اذا أردنا اجراء تحليل موضوعي عن نتائج حرب تشرين التحريرية (6 ـ 24 /10/1973) يمكننا القول بكل ثقة إنه على الرغم من أن مصر وسورية لم تستطيعا تحقيق الأهداف المسندة الكاملة لكن لايجوز القول إن نتائج هذه الحرب كانت غير ذات أهمية بالنسبة للجانب العربي، فقد حققت حرب تشرين التحريرية النتائج الأساسية التالية: ‏

أ ـ كسرت القوات العربية الحاجر النفسي الذي تشكل في ذهنية الشعوب العربية اثر هزيمة حرب حزيران عام 1967م فقد تم تحطيم أسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لايقهر واستطاع العرب تكبيد العدو الاسرائيلي الخسائر الفادحة (بالرجال والعتاد) وانزال الضربات الموجعة به وأثبتت الجيوش العربية أنها قادرة على مقاومة القوات الاسرائيلية وقد كتب الجنرال الفرنسي أندريه بوفر» حول هذه الحرب الآتي: « إن الشيء الأساسي هو أن القوات العربية لم تخف من القوات الاسرائيلية، وأثبتت قوتها في المعركة وأصبحت أسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لايقهر موضع شك وبالنتيجة ارتفعت الروح المعنوية للعرب وتخلصوا من عقدة النقص التي تشكلت لديهم بعد حرب عام 1967م». ‏

ب ـ أظهرت هذه الحرب المستوى العالي لتعاون الدول العربية في الصراع ضد اسرائيل التي أضطرت أول مرة الى خوض الحرب على جبهتين في آن واحد هما: الجبهة المصرية والجبهة السورية. حيث شاركت الى جانب مصر وسورية في هذه الحرب قوات من العراق والجزائر والمغرب وتونس والسودان والكويت والأردن والمملكة العربية السعودية. ‏

ج ـ ان الميزة الأساسية لحرب تشرين عام 1973 هي مشاركة قوات مسلحة مزودة بجميع أنواع العتاد القتالي والسلاح الحديث وقد ذكرت احدى المجلات الأمريكية «تايمز» أن اسرائيل كانت مستعدة لاستخدام السلاح النووي فخلال 78 ساعة تم تجميع /13/ قنبلة ذرية في نفق سري تحت الأرض غير أن اسرائيل لم تستخدمها لأن سير الأعمال القتالية تحول لمصلحتها بسبب الجسر الجوي الأمريكي الذي عوضها خسائر الحرب وبعد الحرب نقلت اسرائيل هذه القنابل الى مخزنها الموجود في صحراء «النقب» حيث مازالت موجودة حتى الآن وهي جاهزة للاستخدام.. وبعبارة أخرى كان الشرق الأوسط في هذه الحرب على حافة الحرب النووية التي لايستطيع أحد التنبؤ بعواقبها. ‏

د ـ بعد دراسة حرب تشرين وصل الخبراء العسكريون الأجانب (وخاصة الأطلسيين منهم) الى نتيجة مفادها أن هذه الحرب تختلف كلياً عن الحروب السابقة (48/56/67) في الشرق الأوسط ويرى هؤلاء الخبراء أن حرب عام 1956م كانت حرب دبابات وحرب عام 1967 كانت حرباً جوية أما حرب عام 1973م فكانت حرب وسائط الصراع الجديدة كالقذائف الصاروخية الموجهة والصواريخ أرض ـ أرض. ‏