عمرك عشرة آلاف عام.. وفوق مناكب الروح غبار وقصائد متعَبة… ما زلت تركض مثل غزال يطوي بيداءه الواسعة.. ينبض في صدرك الحنين إلى قرى ومدن وبحر وبلاد.. تمد ذراعيك، وتحاول مطاولة الغيوم بأصابعك، فتهطل النجوم إليك.. تتعب، فتحني ظهرك من ألم.. وتبقي كبرياءك تلامس التراب لتزرع سلاميّاتك في الأرض، وتسقيها من أبهرك الساخن، فتنبت أغصان لغار ومجد، يكلل هامات الوطن..
اركض.. اركض.. لا بد من أن قطاراً ما، في محطة ما، ينتظرك.. لا بد أن شمساً في سماء ما ستلمع من صليل سيفك.. فثمة سيوف خشبية مسمومة، ورؤوس مشحونة بالفحم الحجري والخرافات والحقد.. وليس أمامك، ورفاقك، إلا لهيب النار الذي يطهّر كل دنس… وأنتم الوقّاد.. وفجر السلام، وشمس الوطن… وفسحات الفضاء تتسع للصقور.. والسهول المخصبة تتسع للأقحوان والنرجس والنعنع البري والزعتر والسوسن وشقائق النعمان… وها أرى العربة وقد سارت ملايين الأميال فوق دروب وعرة وصعبة.. وجبال ووديان عاصية، لم تهن عزيمتها بين كرٍّ وكر.. ثمة تلال أخيرة أمامنا ستفتح بوابة الطمأنينة… أو انتظر قليلاً.. سيهطل المطر، وتشمخ سنابل الحنطة فوق السنوات العجاف..
صباح الخير أيها النقي!.. ما الذي يؤلمك الآن وقد انحاز جسدك إلى القصر الجليل.. وأنت من انداحت قوافيه إلى صقيع الفقراء، فتدفأ البسطاء بجمر موقدك، وحرارة أبياتك عاشقة الوطن… وما كنت تطلب منفعة لنفسك، وتلك هوية إنسانيتك، وهذه بصمتك على دفترك الناصع، وأغانيك النابضة بالحب والعطاء في زمن بدت الأرض فيه ضيقة… ضيقة إلى حدود صار لقاؤنا معاً كما غمزة جفنٍ، أو مرور فراشة!..
وأسألك أحجية بسيطة: «لماذا للشجرة والقرنفلة والحمامة والحرية والحبيبة هذه الأبديّة في التأنيث؟!»… وأجيب عنك لأنك مضيت إلى حيث لا هواتف بيننا!… الشجرة لأنها تثمر، والقرنفلة لأنها تزهر، والحمامة لأنها تهدل، والحرية تؤخذ قسراً، والحبيبة مرهونة للقبيلة، والقبيلة مستلبة…
هيهات أن نلعب النرد معاً.. أو تتلو عليّ آخر قصيدة أنجبتها، وادّعيت أنها (خربشات)… يدك صارت غيمة ستمطر على مدى وسيع.. بينما سأرسل لك أحاديث صامتة.. أنا أسأل، وأنا أجيب.. أقرأ صمتي، وأقرأ صمت غيابك، ومجد تضحيتك.. وها رفاقك يكملون مسيرة النصر، ويعبّدون الدرب لشمس لا تحب إلا عاشقيها الصادقين…
فطوبى لك.. ولصانعي النصر المبين..

print