كان للكلمة فيما مضى سحر حين كان زمن التّلقي يتيح مساحة لحضور الفكر والإحساس، بينما أفرغت الكلمة اليوم من مضمونها الغني بالمعنى لتصبح نبرة وقحة تفسد الحقيقة ولا تسمح بالزمن النحوي لتتبع طبقات المعنى. زمان انحطاطنا جعل المهمة صعبة ومضاعفة على مسار الحقيقة، من يأبه للحقيقة في زمن إفساد أدوات التّلقي. فبما أنّ زمن الانحطاط طال أنطولوجيا الإحساس بالحقيقة، فالكفاح بات أيضاً مضاعفاً أكثر من أي وقت مضى. هنا أحبّ أن أؤكّد أنّه لا يوجد قطاع من قطاعات القول والإحساس بات بمنأى عن الزّيف. ولقد تحوّل الحدث السوري خلال سنوات مضت إلى موضوع حيوي لتشريح الزّيف والفساد. اليوم الأحداث في المنطقة تذهب بسرعة نحو تفجير المفارقة التي تولّدت في بركان إعلامي انبعث في بيئة فقر التقنية وغياب نبض الصورة. الاستثمار في اليقينيات الشعبوية كان رأس مال صناعة الزيف. الميديا التي راهنت عليها الرجعية النفطية لابتلاع ما تبقى من مسؤولية الكلمة والحقيقة نجحت إلى حدّ ما في تحويل الخراب العربي إلى «إنجاز ديمقراطي». هذه الميديا التي استطاعت أن تمنح التّفاهة فرصة تاريخية لابتلاع الزمن العربي برمتّه إلا قليلاً. سوف ندرك يوماً أنّ المعركة السورية لم تكن ضدّ الإرهاب فحسب بوصفه نهاية مراحل العنف المادي بل هي معركة ضدّ النذالة. سأتحدّث هنا عن صانع المفارقات الفلسفية الذي عمل المستحيل لكي ينتزع من الشارع العربي عموماً والشارع التونسي خصوصاً لقب «فيلسوف الربيع العربي»، أعني به د. أبو يعرب المرزوقي، السفسطائي الذي تعجز كلماتي عن وصف مهاتراته ضدّ سورية. استعمل كل قاموس الانحطاط في الإساءة إلى سورية وكل رموز المقاومة، معتبراً أنّ مصير الأمة والأمم قاطبة «معلّق على» دور أردوغان وصاحب قطر والبقية آيلة إلى الهاوية. يصعب أن أحصي له حجم المقالات التي عبّر فيها عن حقده التاريخي على سورية وحلفائها. يملك أبو يعرب المرزوقي قدرة فائقة على ما أسميه الفسق الأيديولوجي، فمع كل انتصار ينبري ليحوله إلى هزيمة مادام الذي صنع ذلك الانتصار هو المقاومة. في حرب تموز حينما كان العالم مندهشاً من الانتصار الذي حققته المقاومة اللبنانية على العدو الصهيوني، كتب يقول: «لقد فاضت الكأس بعنتريات نصر الله»، وحينها كتبت فوراً: هكذا تكلم فيلسوف السفهاء وسفيه الفلاسفة. قبل أيّام اتّضح أنّ فيلسوف التهريج هو خادم لأجندة واضحة لقد أعدّ أنّ قطر ستنتصر لأنها تملك أن تناور وعليها أن تناور بين مراكز القرار المتعددة في أمريكا، كما عدّ أنّ قيمتها تبدو في رغبة الدول في أن تنشئ فيها قواعد عسكرية، وبينما كان يدعو لمواجهة ما سماه «الخطر الإيراني والروسي» قال إنّ «دولا كثيرة ستساعد قطر مثل إيران وروسيا». ثم تحدث عن «حكمة وذكاء» حاكم قطر للخروج من هذا الحصار. وهرطق بأن «الثابت أن ذكاء الأمير تميم ونصائح والده الذي هو من حكماء العرب وأحذقهم تعاملا في الوضعيات الصعبة سيجعل المعادين للأمة يندمون». أما تناقضات الأبله فلا تحصى. لقد عدّ في مقال آخر أنّ قطر تعاقب «لأنها ظلت مكاناً آمناً لكل هارب من الاستبداد العربي ومن إيران». يقصد عش دبابير الإخوان الذي أشرف كادرهم على تسيير الماكينة الإعلامية الجديدة تحت إشراف النائب المُعار من الكنيست الإسرائيلي المعروف من دون تسميته. تبيّن بالملموس أنّ ما كنت نعتّه بفيلسوف السفهاء وسفيه الفلاسفة هو حقّا ممارس مخاتل للقوادة الرجعية بثوب ثورجي مبين. كل «استشرافات» المرزوقي «بسقوط» سورية باءت بالفشل، لأنّ المستقبل الذي يبشّر به حافل بالحقد والرجعية والمغالطة والارتزاق.
هذا مجرد مثال فقط عن انحطاط الأيديولوجيا الرجعية مهما حاولت أن تستند إلى سلّم مفاهيمي حديث. وما يفعله أبو يعرب المرزوقي ليس سوى محاولة حثيثة لإضفاء عقلانية صورية زائفة على التخلف، مثال عن ظاهرة تلهمنا الكثير من الدروس في إبستيمولوجيا الهزيمة التي تبحث لها عن مقولات محشوة بالمغالطات، لأنّ الأخطر من كل أبعاد الهزيمة هو هزيمة العقل الذي يعاند في تطويع المفاهيم الكبرى لتعزيز نسقه الذي يوفّر البيئة المفاهيمية لإعادة إنتاج الهزيمة ومنحها عقلاً تعاقر به تاريخها الزّائف.
كاتب مغربي

print