لم تألُ سورية جهداً في السير بمبادرات المصالحة والهُدن والحوار لآخر المدى ما دامت لا تتعارض مع سيادة الدولة السورية وحقها وواجبها الطبيعي في محاربة الإرهاب في كل سورية، والاعتراف بالمرجعية العربية السورية من البدهيات التي لا تنجح أي مبادرة جادة من دونها، فضلاً عن كونها من ثوابت السياسة السورية التي دأبت على اتباع نهجٍ استقلالي منذ عقود. ولذلك نرى الدولة العربية السورية تتفاعل إيجابياً في «أستانا» و«جنيف»، كما نراها تقاتل الإرهاب بعنفوان في الميدان. فمن ريف حمص الشرقي حيث حرر الجيش العربي السوري عدداً من القرى إضافة إلى محطة الهيل للغاز متقدماً باتجاه الحقل النفطي هناك، إلى ريف السويداء الشرقي حيث تمت استعادة عددٍ من القرى والبلدات والتلال، يجب أن يكون واضحاً أن كل ذرة تراب من أرض سورية، وكل نقطة من مائها، وكل رقعة من سمائها، أي كل ما يتعلق بسورية، تظل مرجعيته النهائية الدولة العربية السورية.
وخلال الأيام القليلة الماضية استعاد الجيش العربي السوري، فضلاً عن ذلك، حوالي 1500 كيلومتر مربع إضافية تبدأ من الرصافة بريف الرقة وتنتهي بمنطقة أثريا شرق حماة، ما أسهم بقطع التواصل على «داعش» بين الرقة وريف السلمية في حماة، وتضم المنطقة المحررة العشرات من آبار النفط، وعدداً من المعالم مثل قلعة الرصافة الأثرية، والأهم، أن سورية تؤكد سيادتها على محافظة الرقة، حتى وهي تغذ الخطا حثيثاً باتجاه مدينة دير الزور، وتستهدف مواقع الإرهابيين فيها، وتصطاد آليات لـ «داعش» على طريق الرقة-دير الزور، بينما الجيش العربي السوري يتقدم في عموم البادية والعبرة بما بعد «داعش» فالمخطط الأمريكي لن يمر.
في ريف دمشق الشرقي، استعاد الجيش العربي السوري سلسلة تلال استراتيجية، فيما يستمر التذابح بين فصائل التكفيريين في الغوطة الشرقية، ليظهر أن الأمن والاستقرار يكون حيث تبسط الدولة ظلها. وتجيء عودة المئات من أهالي حي الوعر في حمص من جرابلس في حلب إلى الحي لتؤكد هذه النقطة بجلاء، ولتسقِط مزاعم الإعلام الأصفر بأن الدولة «تسعى لتهجير سكان بعض المناطق» إلخ… ويبدو أن مئاتٍ آخرين من أهالي الوعر في مخيم زوغرة قرب جرابلس سجلوا أسماءهم للعودة إلى الحي، لكن بعض فصائل العصابات التكفيرية المسلحة منعتهم، فمن الذي يسعى إذاً لتغيير الواقع الديموغرافي في سورية؟!
ميدانياً أيضاً يمثل تحرير الموصل العراقية بالكامل من ربقة «داعش» نصراً مباركاً كبيراً في حد ذاته، وبشيراً بقرب إنجاز تحرير المدن والأراضي السورية كلها من الإرهاب التكفيري. وهو نصرٌ لاحت معالمه منذ التقاء الجيشين العربي السوري والعراقي على الحدود، وهو ليس نصراً على «داعش» فحسب، بل على ما يُعدُّه الأمريكيون لما بعد «داعش»، من شرق سورية إلى جنوبها، كخط أفقي يقطع الخط العامودي الذي حاولت أن ترسمه الولايات المتحدة عبر شرق سورية.
وقد جاء الإرهاب التكفيري في سيناء باستهداف الجيش المصري وعناصره وسقوط العشرات منهم شهداء ليذكرنا بأن المعركة ضد الإرهاب في المنطقة هي معركة واحدة ضد عدو واحد، وأنها تستهدف الجيوش العربية الرئيسة الثلاثة في دول الطوق، وأنها تالياً معركة لا يمكن أن تُخاض بجدية إلا بالتنسيق مع القوة الأساسية التي تحارب الإرهاب التكفيري اليوم وهي الجيش العربي السوري. وثمة المزيد من الوعي بهذا الاتجاه اليوم كما نلاحظ من مشروع القانون الذي تم عرضه في البرلمان التونسي لاستئناف العلاقات الدبلوماسية مع سورية التي قُطعت في ظل حكومة الغنوشي والمرزوقي، وننوه هنا بالاعتصام المواظِب الذي تقيمه «لائحة القومي العربي» أمام الخارجية التونسية منذ 183 أسبوعاً للمطالبة باستئناف العلاقات الدبلوماسية بين تونس وسورية.
التطور الإيجابي الآخر الذي يظهر انكشاف جبهة داعمي الإرهاب في سورية هو المسيرة الضخمة من أنقرة إلى اسطنبول التي شارك فيها مئات آلاف المواطنين الأتراك ضد سياسة أردوغان الداعمة للإرهاب في سورية، وكان المحرك المباشر لها الحكم بالسجن 25 عاماً على النائب التركي المعارض أنيس بربر أوغلو بتهمة تسريب معلومات حول شحنات الأسلحة التركية للإرهابيين في سورية، ما يسلط الضوء على المأزق الذي وصل إليه داعمو الإرهاب التكفيري في سورية، خصوصاً في الحالة الأردوغانية.
العدوان على سورية إذاً راح يتهاوى سياسياً وميدانياً، وأدواته تتحطم وتنكشف وتنقلب على بعضها البعض، ولكن وزير خارجية الولايات المتحدة ريك تيلرسون لا يزال يعتقد أنه يستطيع أن «يرسم لسورية مستقبلها ومسارها» عندما راح يتشدق بشكلٍ متغطرسٍ أجوف في هامبورغ قبل أيام بما تراه وما لا تراه الإدارة الأمريكية جائزاً لمستقبل سورية! وهو ما يدلل على فقدان الإدارة الأمريكية الصلة مع الواقع، واقع التطورات الميدانية من جهة، وواقع التطورات السياسية في الإقليم من جهة أخرى.
ونذكر في هذا السياق أن مذكرة مناطق تخفيف التوتر هي من مخرجات مؤتمر الأستانا قبل شهرين برعاية روسيا وإيران وتركيا، وأنها جاءت في سياق تركيز النار على «داعش»، وأن وقف إطلاق النار لا ينطبق على المجموعات التي لا تتقيد به، وأنه لا ينطبق على «النصرة» وتحالفاتها، وفي النهاية، لن تمر اتفاقات تمس سيادة سورية وقرارها إذا حاولت بعض الأطراف المحلية أو الإقليمية أو الدولية اختراقها سعياً لأن تنال بـ «الفهلوة» ما عجزت عن نيله في الميدان وفي السياسة، لا في جنوب سورية ولا في شمالها أو شرقها أو وسطها أو غربها، خصوصاً أن الزخم والمبادرة باتا بوضوح في يد الجيش العربي السوري وحلفائه، وتبني الولايات المتحدة الآن لفكرة «منطقة تخفيف التوتر» في جنوب سورية جاء بعد فشل مشروعها الميداني والسياسي استراتيجياً، فهي تلعب بالوقت الضائع، والشيطان في التفاصيل طبعاً، ولكن من قال إن الأمريكيين سيصممون تلك التفاصيل وحدهم؟!.
كاتب أردني

print