ملامح وجهها المتعبة خبأت وراءها سنوات عمرها الحقيقي، ندى فتاة في الثالثة والعشرين، منذ خمس سنوات لبست الفستان الأبيض والطرحة وهاهي اليوم تمشي متثاقلة في رحمها خبأت طفلاً، وعلى يدها اليمنى تحمل طفلتها مروة ابنة السنة ونصف السنة، وفي يدها اليسرى تقود ابنها البكر محمد الذي تعثر في مشيته أكثر من مرة.. تقول ندى وقد هدها التعب: أهل زوجي يحبون الأطفال وحلمهم أن يصبح لدينا نصف دزينة.
ولكن ماذا عن صحتك؟ ومن أين وكيف ستربيهم؟ ضحكت وكان جوابها: «الولد بيجي وبتجي رزقتو معو».
تلك العبارة تقاسمتها أسر كثيرة مع أسرة ندى ليس في سورية فحسب، بل في كثير من المجتمعات، وعلى الرغم من الجهود الكثيرة التي تبذلها الحكومات وهيئات المجتمع المدني والمنظمات العالمية التي يقف صندوق الأمم المتحدة للسكان في مقدمتها، فإن مسألة تنظيم الأسرة غابت عن قاموس تلك الأسر، وللأسف فإنها لا تزال من المحرمات والأسباب في ذلك كثيرة، وهو ما استدعى الدول لاتخاذ «تنظيم الأسرة لتمكين الناس ولتنمية الأمم» ليكون موضوعاً وشعاراً لها في اليوم العالمي للسكان الذي يحتفل به في مثل هذا اليوم، ويتزامن هذا العام مع مؤتمر قمة تنظيم الأسرة فى لندن، وهو الاجتماع الثاني لمجموعة المانحين وأصحاب المصلحة الذين يشكلون مبادرة تنظيم الأسرة 2020 أو كما تعرف اختصاراً بـ «FP2020»، التي تهدف إلى توسيع نطاق وصول 120 مليون امرأة إضافية إلى تنظيم الأسرة الطوعي بحلول 2020.
من التنمية المستدامة
الاستثمار في تنظيم الأسرة هو استثمار من أجل صحة وحقوق النساء والأزواج حول العالم، وهو يؤتي ثماراً اقتصادية ومكاسب أخرى يمكنها دفع التنمية للأمام لأنه يسهم في تحقيق العائد الديموغرافي ما يزيد من إمكانات الكسب الاقتصادي للبلد، فعندما ينخفض حجم السكان المعالين (الأطفال وكبار السن على سبيل المثال) مقارنة بحجم أولئك الذين في سن العمل، فإن ذلك يخلق ميزة اقتصادية، ولاسيما في البلدان ذات المستويات الأقل من حيث إجمالي الدخل القومي، حيث يساعد هذا المزيج بين ارتفاع عدد كاسبي الدخل وانخفاض عدد الأشخاص المعالين ووجود سياسات سليمة على تحفيز نمو اقتصادي كبير، ومن ثم فهو شديد الأهمية لنجاح خطة التنمية المستدامة لعام 2030 وما يصاحبها من أهداف التنمية المستدامة الـ17 التي اعتمدت في 25 أيلول 2015، من قبل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 193، وهي تهدف إلى القضاء على الفقر والتمييز وإساءة المعاملة وتقليل وفيات ما بعد الولادة حول العالم إلى أقل من 70 لكل 100,000 ولادة حية، والتصدي لتدمير البيئة وإفساح الطريق لحقبة من التنمية لكل الشعوب في كل مكان.. وقد دخل تنظيم الأسرة ضمن مقاصد أهداف التنمية المستدامة التي تعتمد في تحقيق الكثير من الأهداف جزئياً على قدرة النساء على ممارسة حقوقهن الإنجابية، ويعد حصول الجميع على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، بما في ذلك تنظيم الأسرة، أمراً أساسياً من أجل النجاح، لأنه يساعد النساء على توسيع نطاق خياراتهن، حيث يؤدي انعدام القدرة على اتخاذ القرارات والتخطيط للحمل إلى حرمان ملايين النساء من فرصهن فى الحصول على عمل لائق وحياة أفضل، وهذا يعنى وقوع خسارة جسيمة للاقتصادات التي ينتهي بها المطاف إلى قلة العمالة الماهرة وتراجع الإنتاجية، بينما من شأن توسيع نطاق الحصول على تنظيم الأسرة الطوعي أن يحدث أثراً إيجابياً في النمو الاقتصادي والحد من الفقر، ولذلك فإن صندوق الأمم المتحدة للسكان كان ولا يزال يدعم خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، ويسعى لتحقيق الرفاه والصحة الجيدة للجميع، كما أنه يعمل على تمكين النساء من خلال التحقيق الكامل لصحتهن وحقوقهن الجنسية والإنجابية، بما فيه الحق في تقرير ما إذا كن يرغبن في الحمل ومتى يكون ذلك وعدد مرات الحمل، ففي عام 2016، تمكنت وسائل منع الحمل التي قدمها صندوق الأمم المتحدة للسكان من منع حدوث 11.7 مليون حمل غير مقصود، وما يقرب من 3,7 ملايين إجهاض غير آمن، ومنع ما يقدر بـ 29,000 حالة وفاة بعد الولادة.
احتياجات غير ملباة
إن الحصول على تنظيم الأسرة الآمن والطوعي حق من حقوق الإنسان، وهو أمر محوري لتحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة وعامل أساس في الحد من الفقر، ومع هذا، فإن ما يقرب من 225 مليون امرأة ممن يرغبن في تجنب الحمل لا يستخدمن حالياً وسائل تنظيم الأسرة الآمن والفعال، وتعيش الأغلبية من أولئك النساء اللواتي لم تلبَّ احتياجاتهن لوسائل منع الحمل في 69 من أفقر البلدان على وجه الأرض، وقد يؤدى تلبية احتياجاتهن إلى إنقاذ الأرواح وذلك بتجنب حدوث 60 مليون حمل غير مقصود على مستوى العالم، وخفض نسبة وفيات ما بعد الولادة بواقع الثلث من حالات وفاة ما بعد الولادة التي وقعت في 2016 والتي تقدر بـ303,000 حالات.
وفي 2015، لم تتم تلبية الاحتياجات المتعلقة بتنظيم الأسرة لما يقرب من 12،7 مليون فتاة مراهقة تتراوح أعمارهن بين 15 و19 سنة في البلدان النامية، وحسب التقديرات فإن 14,5 مليوناً من الفتيات في هذه الفئة العمرية نفسها في البلدان النامية يصبحن أمهات سنوياً.
يذكر لؤي شبانه مدير صندوق الأمم المتحدة للسكان للمنطقة العربية أن النظرة الحقوقية لموضوع تنظيم الأسرة تعتمد على مفهوم حرية الاختيار لما تراه مناسباً لوضعها وإمكاناتها، ومن المهم إمداد النساء والرجال بمعلومات وافية بشأن الصحة الإنجابية عموماً وأثر الحمل والولادة في صحة الأم البدنية والنفسية، ولاسيما إن كانت الأم في عمر يافع، إذ ينصح الأطباء بالانتظار إلى ما بعد سن الثامنة عشرة، ما يقوي جسد الفتاة ويعطيها أيضاً فرصة للدراسة أو للعمل قبل أن تتحمل مسؤولية الأطفال.
تنمية اقتصادية واجتماعية
إن حقوق النساء والفتيات في أن يقررن بحرية وبمحض إرادتهن ما إذا كن يرغبن في إنجاب الأطفال ومتى يكون ذلك وكم عددهم، تجلب لهن مزيداً من الفرص في أن تصبحن قادرات على كسب الدخل وتالياً تعزيز مستويات الدخل لأسرهن، فمع وصول النساء إلى الموارد الإنتاجية، فإنهن يتمتعن بصحة أفضل ويحققن مستويات أعلى من التعليم ويتعرضن لنسب أقل من العنف من الشريك الحميم، وتنطبق الآثار الإيجابية نفسها على أطفالهن كذلك حيث تميل الفتيات المراهقات اللاتي تؤخرن حملهن إلى استكمال المزيد من سنوات الدراسة، وتميل النساء اللاتي درسن سنوات أكثر إلى إنجاب عدد أقل من الأطفال، ولهذا فإن الاستثمار في تنظيم الأسرة يخلق دورة تمكين تعزز وضع النساء وتجعلهن يتمتعن بالصحة والتعليم وتحولهن إلى منتجات اقتصادياً، وفي ذلك يقول الراحل دكتور باباتوندي أوسيتميهين، المدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للسكان (1949-2017) : «لكي تتمكن المرأة من تحقيق كامل إمكاناتها وتصبح أكثر إنتاجية من الناحية الاقتصادية، فلابد من أن تكون قادرة على ممارسة حقها في أن تقرر بنفسها ما إذا كانت ترغب في إنجاب أطفال، ومتى يكون ذلك وكم عددهم، ومن شأن دعم هذا الحق أن يؤدي إلى تحسين مستوى الصحة وتحقيق العديد من الفوائد: المزيد من الاستثمارات في التعليم وزيادة الإنتاجية ومشاركة أكبر للقوة العاملة وفى النهاية زيادة الدخل والادخار والاستثمار وتراكم الأصول».
في الأزمات
تعدّ خدمات تنظيم الأسرة من التدخلات المنقذة للحياة، فهو يمنع حالات الحمل غير المقصود وهذا بدوره يقلل من المخاطر الصحية المتعلقة بالولادة ومن اللجوء لعمليات الإجهاض غير الآمنة، كما يمكن للواقيات الذكرية والأنثوية أن تقلل من خطر الإصابة بالأمراض المنقولة عن طريق الاتصال الجنسي، ولهذا النوع من التدخل أهمية حاسمة في الأزمات الإنسانية التي يحدث أثناءها، في كثير من الأحيان، العنف الجنسي والعنف من الشريك الحميم وزواج الأطفال والسلوكيات شديدة الخطورة مثل ممارسة الجنس من أجل البقاء والمقايضة بالجنس والجنس التجاري، ومع ذلك فكثيراً ما تكون خدمات تنظيم الأسرة، بما في ذلك وسائل منع الحمل، محدودة أو غير كافية أو حتى غير موجودة على امتداد حالات الأزمات وفي إطارها.
ولكن في سورية وخلال سنوات الحرب فإن خدمات الصحة الإنجابية لم تكن غائبة أبداً، فهي تعد أحد أبرز أولويات عمل صندوق الأمم المتحدة للسكان في سورية وقد وصلت خدمات الصحة الإنجابية التي أتاحها الصندوق إلى نحو 12 ألف امرأة في عدة محافظات، وذلك بالتعاون مع الجهات والهيئات المختصة كوزارة الصحة والهيئة السورية للسكان وعدة جمعيات أهلية أبرزها جمعية تنظيم الأسرة التي تنطلق في عملها على هذه المسألة من خلال جلسات التوعية التي تقدم مرتين خلال الشهر، وتُعطى فيها محاضرات عن أهمية استخدام وسائل الوقاية من الحمل غير المرغوب به، والفرق الطبية الكثيرة المتنقلة التي توجهت نحو تشكيلها لتقديم خدمات طبية في الصحة الإنجابية على مراكز الإيواء، و توزيع وسائل تنظيم الأسرة على اختلافها.
يقول مدير الصندوق شبانة: في الأزمات الإنسانية يجب التركيز على خدمات الصحة الإنجابية، فيتم توفير المعلومات والخدمات الطبية التي بإمكانها أن تنقذ الأرواح، إذ يمكن تفادي نحو ثلث الوفيات بسبب الحمل والولادة بفضل خدمات الصحة الإنجابية وعلى رأسها أساليب تنظيم الأسرة. في الأزمات الإنسانية تصبح الصحة الإنجابية موضوع حياة أو موت، ويصبح التنظيم والتخطيط الحكيم للأسرة عاملاً أساسياً في حالة الأسرة الاقتصادية.
حق.. ولكن!
أخيراً، إن قدرة الشخص على تخطيط توقيت تكوين أسرته وحجم هذه الأسرة يحدد بشكل وثيق تحقيق الحقوق الأخرى، وللأسف، فإن الحق في تنظيم الأسرة هو واحد من الحقوق التي اضطر كثيرون للنضال من أجلها، ورغم ما يلقاه هذا الحق من دعم من إطارات العمل العالمية القوية المعنية بالحقوق والتنمية، فإنه لا يزال يستلزم إلى يومنا هذا مناصرة فعالة ودعماً أوسع لتحقيق رسائله وأهدافه، وهو ما يسعى صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى الوصول إليه من خلال برامجه ومبادراته.
عمار غزالي- مدير الإعلام التنموي في وزارة الإعلام تحدث عن أهمية هذا اليوم قائلاً: يأتي اليوم العالمي للسكان هذا العام تحت شعار تنظيم الأسرة لكون الأسرة هي أساس المجتمع وخليته الأولى، قد عملت حكومة الجمهورية العربية السورية باهتمام بالغ بقضايا تنظيم الأسرة وحققت أرقاماً متقدمة في هذا المجال، وكان ومازال التعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان عالياً جداً، لكن خلال الأزمة تغيرت وتراجعت الأرقام كثيراً لأسباب الهجرة واللجوء وخروج الكثير من المستشفيات والمراكز الصحية من الخدمة بسبب تدميرها، لكن الإعلام مازال مواكباً لعملية التوعية من خلال وسائله المختلفة بهدف نشر الوعي لدى الناس، ويعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان في هذا المجال بنشاط وفعالية مع الجهات ذات الصلة، وأهمها وزارة الصحة والهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان، وقد أصبح لدينا صحفيون متخصصون بهذه القضايا، تقع على عاتقهم مسؤوليات جسام، وعلى الرغم من قلة وشح الدورات التدريبية في هذا المجال إلا أن الزملاء الإعلاميين مصرّون على نشر التوعية.
رسالة الصندوق
بمناسبة اليوم العالمي للسكان تقول الدكتورة نتاليا كانيم- القائمة بأعمال المدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للسكان في رسالة لها: إن تنظيم الأسرة أمر بالغ الأهمية، ولقد وضع صندوق الأمم المتحدة للسكان هدفاً طموحاً يحدث تحولاً من أجل الوفاء بكل حاجات تنظيم الأسرة غير الملباة بحلول 2030، لذا في اليوم العالمي للسكان هذا العام، ندعو كل الحكومات وأصحاب المصلحة إلى المساعدة فى تحقيق هذا الهدف.
كما يدعو صندوق الأمم المتحدة للسكان الحكومات الـ179 التي تبنت برنامج عمل مؤتمر القاهرة بشأن السكان والتنمية إلى الوفاء بالتزاماتهم لتحقيق حصول الجميع على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، بما في ذلك تنظيم الأسرة الطوعي، ولا يقتصر الأمر على حماية الصحة والحقوق فحسب، بل هي أيضاً مسألة استثمار في التنمية الاقتصادية وفى ازدهار الإنسانية وتقدمها.

print