ت: طارق الحسنية
بدأت رياح التغيير والإصلاح الإداري يسمع صداها في أروقة رئاسة مجلس الوزراء! فلم يعد الأمر رهيناً للرضا على هذه المؤسسة أو تلك، فالمطلوب أرقام ومؤشرات ومقياس واحد لجميع المؤسسات والإدارات الحكومية، وهناك نتائج وأرقام ستكون الحكم الفصل بين هذه المؤسسات وتقييمها ورصد ومتابعة أدائها ولن يتوقف الأمر على ذلك.. فهناك نصائح قيمة ستقدم إلى هذه الهيئات لتحسين مؤشرات العمل الإداري لديها..لكن ماذا بعد النصائح؟ من جهته رئيس الحكومة يؤكد لا بديل عن النجاح، فإعادة إعمار سورية وبناء الدولة القوية هو قرار الدولة وتوجهها و لا خيار آخر ..الرسائل واضحة وقوية حتى إن رئيسة مجلس الشعب تعلن أن مجلس الشعب بدأ بنفسه وبأعضائه ولا استثناءات لأي جهة..
إذاً الخطوة الأولى ..الجميع في السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية تحت سقف القانون وهذه البداية فقط!
«تشرين ترصد»
دائما هناك فريقان المستفيد متحمس ومبادر وهؤلاء ممن يحبون أن تكون سورية قوية ومعافاة ولديهم بعد نظر أن تطور الجهاز الإداري الحكومي سينعكس خيراً على الجميع لأن تحسن الأداء والخدمات سيكون لكل مواطن سوري نصيب منه مهما كان موقعه ..الفريق الآخر ممن سيكتم رفضه للإصلاح ويحاول وضع العقبات والعصي في العجلات هم أولاً ممن يسرقون ويستنزفون موارد البلد ويخشون الشفافية خشيتهم من العقاب ويستفيدون من الفوضى لأنها تخفي فشلهم وتقاعسهم وعدم قدرتهم على تحمل المسؤولية !!
«تشرين» رصدت ردود الأفعال من قبل عينة عشوائية (168) مشاركاً على مواقع التواصل والاتصال المباشر حول المشروع الوطني للإصلاح الإداري لمعرفة مدى وضوح الرسائل للمتلقي العادي.
من المستفيد من الإصلاح؟
وكانت البداية من السؤال الأول والذي يقول: من المستفيد من الإصلاح الإداري؟
وأمام الخيارات الأربعة وترتيبها حسب الأولوية جاء بالترتيب الأول المؤسسات الحكومية وتطوير القطاع بنسبة 47% وبالدرجة الثانية المواطن بنسبة 21% وبالدرجة الثالثة الفعاليات الاقتصادية من مستثمرين ورجال أعمال وصناعيين بنسبة 19% وبالدرجة الرابعة الفعاليات الاجتماعية والأهلية بنسبة 13%.
وفي قراءة تحليلية نجد أن جميع الفعاليات المجتمعية الحكومية والخاصة والأهلية والمواطنين هم المستفيدون الحقيقيون من المشروع، وهناك تقارب كبير بنسب الاستفادة ما يؤكد أن المشروع وطني بامتياز ومن مصلحة الجميع المشاركة في نجاحه وفيه توان بالمصالح العامة والمصالح الخاصة.
ما الهدف من المشروع الوطني؟
رغم أن الإصلاح الإداري كان هاجساً لدى الإدارات الحكومية المختلفة عبر سنوات طويلة إلا أن النظريات والتعاريف والشروحات أخذت المشروع إلى منحى الجدل والسفسطائية كما أن إحالته إلى لجان وتخزينه داخل الأدراج أضعف من زخمه وقلل من جديته ثم جاءت الحرب فغطت غبارها على أشياء كثيرة، ومنها الإصلاح الإداري لكن بطولات الجيش العربي السوري وانتصار إرادة الأمة السورية على الإرهاب أنعشت التطلعات نحو سورية متجددة وقوية وكان الإعمار والتوجه بقوة لبناء الدولة القوية حافزاً وخياراً لإطلاق المشروع الوطني للإصلاح الإداري، وتالياً كان من المهم تحديد الهدف من هذا المشروع!
وفي رصد «تشرين» تم السؤال الثاني للعينة عن الهدف من الإصلاح الإداري؟
فكان تحقيق الأمن والاستقرار في المرتبة الأولى بنسبة 25% وهذه نتيجة منطقية لأن النجاح الإداري والشفافية وتحسين الخدمات مؤشرات للدولة القوية وتساهم بشكل فاعل في الأمن والاستقرار.
وتساوت الدرجتان الثانية والثالثة المتضمنتان تطوير عمل المؤسسات ومكافحة الفساد والحد منه بنسبة 22% لكل منهما ما يعطي دلالة أن كل خطوة في تطوير عمل المؤسسات تقابلها خطوة في مكافحة الفساد لأن الشفافية والنظام تتناغم طرداً مع معايير النزاهة وليس عكساً مع الحد من التسيب والفوضى والرشاوى وهم ملاذ الفساد ومكمنه.
وجاء في المرتبة الرابعة رضا المواطن بنسبة 21% ولا شك في أن هذا الرضا موصول بالأهداف التي سبقته وهي تطوير العمل المؤسساتي لأنه يعني تحسين الخدمات والمنتج الذي يصل إلى المواطن، كما أن مكافحة الفساد تحقق العدالة ووصول المواطن إلى حقوقه والحفاظ على كرامته.
ورأت العينة أن إظهار الكفاءات والقيادات الحقيقية هو الهدف الخامس للإصلاح بنسبة 20% ولاسيما أن الإصلاح أساسه الكادر البشري الذي يقوده إما إلى العلا والإبداع ولم يعد مقبولاً تحت أي مسمى الدوران والمراوحة بالمكان ولو بأعين مغطاة أو بحسن النيات..
من أين نبدأ؟
ما يميز المشروع الوطني للإصلاح الإداري المطروح حالياً أنه ارتبط بجملة من الآليات المحددة وفي مقدمتها قياس الأداء الإداري للجهات العامة في الدولة بهدف تطوير عملها ودعم الشفافية المؤسساتية من خلال الاستجابة لتطلعات المواطن وتلبية استحقاقات المصلحة العامة ومكافحة الفساد الإداري. وتالياً فإن السؤال الثالث للعينة والمتضمن من أين نبدأ الإصلاح الإداري تضمن أربع مراحل وحسب العينة فإن الأهمية الأولى وضع خطة للإصلاح بمواعيد ثابتة وجاءت بنسبة 28%، ومعلوم أن الخطة هي مفتاح النجاح والتنفيذ على أرض الواقع و لا ننسى أن ما أفشل المشاريع السابقة كان غياب البرامج التنفيذية والتوقيت ما جعل أغلب المشاريع الوطنية التي لم توضع لها خطط واضحة لا تتعدى المناقشات والاجتهادات والأقوال ولم تصل إلى مرحلة الأفعال والتنفيذ.
أما المرحلة الثانية من التنفيذ فرأت العينة أنها تتمثل بإعادة تشكيل الهياكل التنظيمية للمؤسسات وحسب الحال فإن خللاً واضحاً يوجد في تحديد الصلاحيات والمسؤوليات ما يغيب العمل المؤسساتي ويخضع الإدارات إلى المزاج الشخصي الذي يغير من آلية عمل المؤسسات بتغير المسؤولين عليها وأحياناً قد يتعارض ذلك مع مصلحة المؤسسة وأدائها ما يفسر تذبذب الأداء تبعاً للقيادات، ولاشك في أن التوصيف الصحيح للعمل وتوضيح الاختصاصات والمسؤوليات والمراقبة المسبقة والمراقبة على الأداء وما بعد الأداء مرتبطة بتوضيح مهمة كل قسم أو إدارة على حدة.
ونأتي إلى الخطوة الثالثة في الإصلاح التي لا تقل أهمية عن الخطوات السابقة وهي إصلاح الرواتب والأجور بنسبة 24% من آراء العينة، ومن الطبيعي أن إصلاح وضع العاملين بالدولة وتحفيزهم بشكل عادل سيجفف من منابع الفساد الإداري المستشري تحت أعين الإدارات الحالية ولاسيما في مناطق التماس المباشر مع المواطنين, كما أن معاملة الجميع من يعمل ويبدع كمن لا يعمل ولا يأتي بخير لا تحقق مبدأ للعدالة أو تطوير العمل وإنما هي عامل هدم وإحباط للموظف النشيط والفاعل, وكيف الأمر عندما يتم المكافأة والتحفيز حسب معايير الواسطة والمحاباة لاشك في أن النتائج تكون صادمة وما أكثرها من صدمات..
وبالانتقال إلى المرحلة الرابعة نجد أن إصدار التشريعات الرادعة والمحفزة يأتي بالدرجة الرابعة وبنسبة 22% وفي الواقع لم تكن التشريعات هي مشكلتنا بقدر معاناتنا في عدم تنفيذها والتقيد بها وما أفسد الإدارات إلا أن المسيئين منها لم يطلهم العقاب ولا نبالغ إذا ما وصفنا واقع الحال بأن المسيء كان ينتقل إلى المربعات الأعلى ضارباً كل المعايير والأخلاق عرض الحائط ..وأما من أحسن فغالباً يحسن لنفسه من دون حمد أو ثناء حتى إن الاستثناء صار يغلب على القاعدة و باتت الريح تحرك السفين بما ترسمه المحسوبية من خطوط من دون مراعاة لدرء المخاطر والفساد.
إعلان مع سبق الإصرار
تؤكد التصريحات الحكومية أن الإطار التنفيذي والرؤى الأولية للمشروع الوطني للإصلاح الإداري يقوم على قياس ودعم الأداء الإداري بالدرجة الأولى وتحديد البنى اللازمة لتنفيذ المشروع من بنى الكترونية وإدارية والمهام التي سيقوم هذا المشروع بتنفيذها، ويوضح الباحث الدكتور عقبة الرضا أن موضوع التنمية الإدارية والإصلاح الإداري موضوع استراتيجي لتطوير المجتمع وبنيانه التنموي ضمن تحديات ضعف الخبرات ونقص القادة وانتشار الفساد وتخلف طرق الرقابة وضعف منهج التحفيز وضعف آليات التعيين والاختيار وعدم وجود بنوك وطنية للمعلومات وعدم بناء القرار الإداري بناء على معطيات وتوجهات وطنية وانتشار احتكار المعلومة والخبرة وحالة تلميع الأشخاص الذين يحققون المنافع والتحالفات والتغطية على أخطائهم وفسادهم.
ويلفت الدكتور الرضا إلى أن موضوع التنمية والإصلاح الإداري أثير منذ سنوات طويلة بدءاً من السبعينيات في سورية كما أعتقد، ولم نستطع إنشاء هيئة لضبط أداء أو اختيار وتوظيف، أو مراقبة إدارية أو تخطيط احتياجات عمالة، وتوظيف أو إعداد قادة إداريين بشكل رسمي بمرجعية وطنية واضحة.
وتعيش مؤسساتنا حالة ترهل في المؤسسات الإدارية والصناعية، وتنتشر حالة ضعف الإنتاجية والتخريب وانتشار أساليب العمل التقليدي وتخلف أساليب التدريب والأتمتة والتنظيم الإداري والتوصيف الوظيفي، وإن التغيير في العمل الإداري في مؤسسات الدولة وإداراتها العامة موضوع بطيء ومترهل بفعل ضخامة الأجهزة الإدارية وصعوبة تغيير الأعراف الإدارية.
ويرى الدكتور الرضا أنه وفي الجوهر نقول إن الجهد الحكومي الوطني ككل الآن مجيش لمصلحة الإصلاح الإداري الذي له امتدادات في الفكر والثقافة والنضج الإنساني، ويتطلب تدريباً وتأهيلاً وبيئة عمل حكومي محفزة ونزيهة ومحاربة للفساد، ومهمته ليست بالسهلة أمام تراكم المشاكل خلال الفترة السابقة ومنها الترهل والضعف وضعف الفعالية وتناقض الآراء وضعف الرؤية وعدّ أي خطوة تغيير تطويراً إدارياً من دون الأخذ في الحسبان تكامل وتضافر جهود التطوير الإداري… والنتيجة الحقيقية لهذه الخطوات، ومدى القناعة العامة والأكاديمية والعملية بها، ومنها خطوات دمج الوزارات التي جاءت تقليدية وتدل على ضحالة الخبرة الإدارية وعدم التحضير وضعف الدراسات والاستشارات وعدّ أن هذه الخطوات تقوم بها جهات مختصة تنفذ وتقيم الخطوة وفعاليتها، فهي تقوم بإجراءات تطوير إداري بوساطة أجهزة غير خبيرة وبالآليات التقليدية نفسها، والتخوف الأكبر في المستقبل هو التهاون في أولوية الإصلاح الإداري نظراً للتحديات التي سيواجهها من المتضررين أو التسويف في التنفيذ أو التفاوت في المعايير.
خلق حوامل بشرية
في البداية والنهاية وفي كل المراحل فإن الإنسان، وهو العنصر البشري، يشكل الحامل لكل المشاريع ولاستدراك الخلل في السنوات السابقة تؤكد وزارة التنمية البشرية أن مخرجات المشروع تتجلى في إعداد تقرير سنوي خاص بكل جهة عامة يتضمن الإشكاليات والنصائح وتصوراً عن المحاور الرئيسة لخطة التنمية الإدارية وإعداد تقرير سنوي عن الأداء الإداري للجهات العامة حيث تصدر الوزارة تقريراً سنوياً عن الأداء الإداري للجهات العامة في الدولة وتتم مناقشة المعطيات الرئيسة والإشكاليات والتوصيات العامة ضمن ملتقى التأهيل الإداري والمؤسساتي في نهاية كل عام وفق تسلسل زمني واضح. وعن البرنامج التنفيذي للمشروع يقول الدكتور هشام خياط أهم مسارات خطة الإصلاح الإداري تتمثل بإنشاء بنية وأقسام عامة متطورة لدعم القرار، وإنشاء إدارة خاصة للإشراف على القوة العاملة وحاجات سوق العمل تدريباً ودراسات، وتوجيه وربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل، أضف إلى ذلك نشر ثقافة الإدارة العلمية ومنهجيات تفكيرها.
وإعداد القيادات الإدارية وتطوير خبراتها باستمرار وتسويق نماذج العمل الإدارية اجتماعياً وإدارياً.
وكذلك تطوير أساليب الرقابة بطرق فنية ومعلوماتية (رقابة الاستراتيجيات والآليات والنتائج). ووضع منهجية إدارية ذكية لمكافحة الفساد.
ويرى الدكتور خياط أن من أهم الملامح العامة لخطة الإصلاح الإداري نشر الثقافة والتحولات الاجتماعية الوطنية ومن وسائلها المؤتمرات والكتب والبرامج التلفزيونية والإذاعية والاهتمام بخطط وطنية للثقافة الإدارية وثقافة المعايير والمحاسبة وثقافة أهداف المؤسسات وثقافة التدريب والتأهيل.
ويشير الدكتور هشام إلى أن خلق الحوامل البشرية يعد عاملاً مهماً من خلال تصنيع تدريب وتأهيل إداري متطور ومتخصص وبالاستعانة بكوادر مختصة ووضع (خطة تدريب للمحافظات – متوسط عدد ساعات تدريب سنوية عال لكل موظف إداري في الدولة) (مهمش واسع لعدد وتصنيفات دورات الإدارة متوافر باستمرار).
وأيضاً صناعة سوق عمل وطني إداري بمعنى أن يستطيع الموظف الخروج من العمل في المؤسسات العامة بثقة بفضل الخبرة والمهارة التي يمتلكها بالتدريب والتأهيل والخبرة العملية، ويتم تداول الخبرات العملية مثل سوق عمل لخبراء العلاقات العامة أو خبراء التنظيم الإداري أو خبراء التسويق، ونشر منهجيات التفكير الإداري وطرق التفكير النقدية والسلوكية الحديثة ومنهجيات العمل الإداري.
ويلفت الدكتور خياط إلى أن المشروع الوطني يحتاج نشر ثقافة الجودة على مستوى فردي ومؤسساتي لتكون جزءاً من ثقافة المواطن يعكسها في حياته اليومية لا كشهادة عمل للشركات، ونشر فكر العلاقات في تحسين صورة الشخص والأسرة والمؤسسة والوطن وصيانة العلاقات البشرية وجودة خدمتها، و إنشاء بيت حوار وطني توثيقي عن أساليب الإدارة المتبعة ودراسة آثارها ومنعكساتها ودراسة آثار هذه السياسات، أضف إلى ذلك تطوير أساليب التعليم الإبداعي وترويج اختصاصات دراسية جديدة ومنع الاهتمام بالاختصاصات التقليدية علماً وعملاً.
ولا ننسى حسب الدكتور خياط تطوير البعد الاجتماعي من خلال المشاركة والحوار والثقافة والمناقشة الحرة الشفافة للمشكلات الوطنية ودعم انتشار الإعلام ودوره من خلال الدراسات والأرقام في طرح صيغ حضارية وفي كشف مشكلات فنية في الإدارة وممارستها، وإصلاح نواح تربوية تتعلق بالفردية وضعف حس المواطنة وثقافة العمل الجماعي والمسؤولية المشتركة والنظرة الاستراتيجية والخلاص المشترك لا الخلاص الفردي.
برنامج إدارة الكفاءات النوعية
في إطار العمل على تنفيذ توجيهات السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد خلال ترؤسه جلسة مجلس الوزراء يبدأ العمل الجاد على وضع الإطار التنفيذي والرؤى الأولى للمشروع الوطني للإصلاح للإداري القائم على مشروع قياس ودعم الأداء الإداري بالدرجة الأولى.
ويلفت عضو مجلس الشعب الدكتور محمد خير العكام إلى أنه تم وضع مؤشرات قياس الأداء الإداري المعتمدة لتنفيذ المشروع عبر تحقيق الرضا لدى المواطن والعلاقة والاستجابة وتحسين الخدمات المقدمة له إضافة إلى رضا الموظف لتحقيق التكافل الوظيفي ومكافحة الفساد وإصلاح الخلل الإداري.
ويقول الدكتور العكام: إن إطلاق مشروع إداري بهذا الحجم بما يحتويه من عملية تنموية إصلاحية وفي هذه الظروف الاستثنائية يحمل رسائل قوية بكل العناوين بأن سورية بعد سبع سنوات من الحرب الظالمة عليها بدأت تتعافى وهي دولة قوية تحارب الإرهاب من جهة وتسير بالعملية التنموية من جهة أخرى وأنها أطلقت أهم مشروع لإصلاح البنية الإدارية في ظروف استثنائية صعبة لإعادة بناء سورية بما هو مطلوب في الفترة المستقبلية.
ويرى العكام أنه لكل زمن إيقاعاً خاصاً بالتغيير ولكل آلية عمل فعاليتها وإقناعها واليوم نحن في عصر استهلكت فيه الأساليب الإدارية التقليدية وحدث نوع من الاختراق المستمر لأنظمة الرقابة والتقييم وأصبحت تهتم بالتفاصيل وتترك استراتيجيات الاختراق الإداري… هناك تسييس للوظائف وضعف في الاختيار وضعف تركيز للطاقة وعدم تقدير للجهد البشري النوعي، وهذا أدى إلى منظومات إدارية مفرغة من أهدافها ترتفع فيها المنفعة الشخصية على منفعة المؤسسة وتالياً على المنفعة العامة، وهذا الاختراق موجود في القطاع الخاص كالعام ويرتكز على فلسفة اجتماعية سائدة هي فلسفة العمل الفردي أو تدبير الحال، وعملية تعزيز البنى الإدارية وإعادة بنائها بناء على قيم جديدة ديناميكية وإعادة الاعتبار لأهداف المؤسسات وتنظيمها واقتصادياتها على حساب التفريغ القائم حالياً هو أمر أكثر من ضروري لأننا اليوم لا نستطيع الحصول على جزء بسيط من الإنتاجية العملية السابقة، ومن كان يعمل بنفس وطني رغم ضعف الأجر تحاصره اليوم في عصر الاستهلاك احتياجاته المعيشية فتنقص مقاومته ويفكر بالاستفادة خاصة بأسلوب الفساد الإداري، فلو أن البقاء على الأنظمة التقليدية يحافظ على الإنتاجية التقليدية لكان الأمر مقبولاً، ولكن التراجع والترهل الحاصل يهددان أي إنجاز وجهود إنتاجية ولا يصل بها حتى لجزء من أهدافها، علماً بأن الشركات العالمية في أي من بلدان العالم تتطور في بنيتها المؤسسية وتتجاوز بسرعة أي أساليب إدارية تقليدية، فالأولوية اليوم للإصلاح الإداري وهي أولوية استراتيجية اجتماعية واقتصادية وسياسية تتعلق بنجاح وتطور وبنيان الدول وترتبط ببيئة اجتماعية منفتحة فكرياً وتحتمل النقد والفكر والحوار والحراك الاجتماعي والسياسي بحدوده المقبولة حتى تؤتي هذه الإجراءات والخطط الإصلاحية الإدارية ثمارها، لأن الإصلاح الإداري وخطط التنمية الإدارية يمكن أن يتحولا إلى هياكل فارغة غير نوعية تقدم الشكل في الإصلاح ولا تصل للجوهر فتفرغ من محتواها مثلما فرغت المؤسسات وأدواتها الإدارية من فعاليتها عبر الزمن، وحتى نحافظ على هذه المصداقية ونقطف ثمار التنمية الإدارية ازدهاراً ونجاحاً للمؤسسات وأهداف المجتمع لا بد من بيئة ثقافية وإعلامية تحافظ على توازن ونزاهة هذه الخطوات في خططها التي تحتمل صعوبات كبيرة في بعض الخطوات على أصحاب المصالح بالطرق التقليدية من القطاعين العام والخاص، ولكن تهيئة البيئة سوف تجعل الجميع يشعر بالنتائج الإيجابية وبتوليد القيمة الذي سينعكس ازدهاراً على الجميع في ظل كل أنواع التحديات التي يمر فيها الوطن داخلياً وخارجياً.
لا بديل عن النجاح
إن القدرة على تفعيل خطة إصلاح إداري هي بالأساس تحد مجتمعي استراتيجي ويتطلب فعالية كبيرة بالقرار الحكومي لأن الإصلاح الإداري يمس المصالح ويكشف ضعف الخبرات، فهو يشكل بشكل أو بآخر خوفاً لدى العاملين في المؤسسات، و يتطلب بنى مؤسسية فعالة وخلق أرضية وتفعيلاً لخطة التطوير والتحديث وكلها تمر في قنوات الإصلاح الإداري والقدرة على التنمية الإدارية وحتى إطلاق حيوية المجتمع وفعالية قراراته كلها تمر في بنية الإصلاح الإداري، وهنا تكمن أهمية واستراتيجية خطط الإصلاح الإداري في سورية وهذا ما أكده السيد الرئيس في مقولاته وتوجهاته، لذا نتمنى أن نجد الصدى الحقيقي لهذا التوجه بمصداقية، لأننا باستمرار نشعر بالإحباط من حالة التهرب من استحقاقات التطوير والإصلاح الإداري وكأنها إعجاز صعب مع أن الخطوات في هذا المجال أصبحت أكثر من واضحة، ولكن مصالح الكثيرين ترتبط باختراق الآليات الإدارية وتشويه ثقافتها وآلياتها ولا بد من الإشارة هنا إلى أن التطوير والإصلاح الإداري يعد عالمياً أحد مناحي الإصلاح والتطوير الذي يحدد فعالية وأداء المؤسسات الحكومية والمجتمعية وتالياً يعكس حالة النضج في بناء أجهزة الدولة والمجتمع معاً.

print