أين الذين زعموا أن الدولة السورية «تعمل على تأكيد حضورها في جزء من سورية فحسب»، سموه «سورية المفيدة»؟ فانتقال مركز ثقل معارك الجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة إلى البادية السورية خلال الأسابيع الفائتة أسقط تباعاً حلقات مشروع «تفكيك» سورية، كما كشف زيف الخطاب الإعلامي الأجوف لمن روجوا لمقولة «سورية المفيدة». فقد أتت أحداث الأسابيع الفائتة ومعارك البادية في منطقة تتمتع بكثافة سكانية وموارد طبيعية أقل مقارنةً بغيرها، لتثبت أن كل سورية مفيدة، وأن كل نقطة حدودية قصية ومقفرة هي نقطة غالية تراق في سبيلها الدماء، وأن سورية معنية بتأكيد سيادتها عليها تماماً مثل دمشق وحلب وحمص وحماة والساحل، والرسالة للجميع.
وخلال الأيام الفائتة عزز الجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة من حضورهم في الأماكن الطرفية القصية، على الشريط الحدودي مع العراق بالتوازي مع عمليات الجيش العراقي و«الحشد الشعبي»، وعلى الشريط الحدودي مع الأردن، وسيطر على محمية التليلة في ريف تدمر، وحرر مؤخراً مدينة الرصافة و20 بلدة ومزرعة في ريف الرقة الجنوبي، كما دمر سلاحا الطيران السوري والروسي قافلة عسكرية كبيرة لـ«داعش» على طريق حماة- الرقة كانت متجهة إلى السخنة التي تبعد سبعين كيلومتراً إلى الشرق من تدمر، وقد جاءت هذه الإنجازات وغيرها في سياق سياسي وميداني واضح تماماً هو القضاء على «داعش»، الذي يزعم «التحالف الدولي» أنه «يحاربه» أيضاً، ما يفضي تلقائياً لتأكيد الدولة السورية لسيادتها على أرضها كاملة، والعكس بالعكس، لأن تأكيد السيادة يعني بالضرورة أيضاً القضاء على آفة الإرهاب «الداعشي» وغير «الداعشي» على كل الأراضي السورية.
لا معنى إذاً للحديث المنبعث من «التحالف الدولي» وامتداداته إقليمياً وسورياً عن «محاربة داعش» في سياق «تقييد» سيادة الدولة السورية على أرضها، لأن أي جهد يسعى «للنيل» من سيادة سورية يصب تلقائياً في مصلحة التنظيمات الإرهابية، وتتجلى بعض الأمثلة على ذلك في المفاوضات التي عُقِدت في ريف تل أبيض مؤخراً مع قوات من «داعش» للخروج من الرقة باتجاه دير الزور التي يتقدم إليها الجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة بشكلٍ حثيث، وهي مفاوضات تكشف بشكل جلي التواطؤ مع «داعش» لتعزيز نفوذ واشنطن وحلفائها على حساب الدولة السورية وحلفائها في شرق سورية.
ويرشح من وسائل الإعلام أن تلك المفاوضات لا تزال جارية خلف الستائر، ويذكر أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف انتقد علناً في مؤتمر صحفي في 31 أيار الفائت الصفقة المنفردة التي عُقدت مع قوات من «داعش» للتوجه من الرقة إلى تدمر، من دون أي تنسيق مع روسيا، ما دعا لشطبها على الطريق. ولا يحتاج أي مراقب موضوعي بذل جهد تحليلي غير عادي ليرى أن «التحالف الدولي» وحلفاءه في شرق سورية يحاولون إلقاء قوات «داعش» كحواجز في الطريق، فإذا اندحر «داعش»، كما حدث في ريف الرقة الجنوبي مؤخراً، وباءت محاولات إعاقة تقدم الجيش العربي السوري وحلفائه بالفشل، فإن «التحالف الدولي» يتدخل مباشرة، كما فعل مساء يوم الأحد في اعتدائه الغادر على طائرة السوخوي 22 التابعة لسلاح الجو العربي السوري في ريف الرقة الجنوبي، ما رفع من منسوب التوتر بين روسيا والولايات المتحدة ودفع روسيا لتعليق التنسيق بين الطرفين، فأشعر الولايات المتحدة بتهديد طائراتها في سورية فغيّرت من مواقعها.
إن من يزعمون زوراً وبهتاناً أن الدولة العربية السورية معنية بـ«سورية المفيدة» إذاً هم بالضبط من لا يريدون لها أن تؤكد سيادتها على كل سورية، وهم أنفسهم من يحملون مشروع «تفكيك» سورية وانتهاك سيادتها. ووضع منظومتي راجمات صواريخ «هيمارس» الأمريكية في قاعدة التنف على الأراضي السورية، من دون إذن سورية، لا يمثل انتهاكاً للسيادة السورية فحسب، بل هو محاولة لاقتطاع حقل نفوذ أمريكي بمحيط ثمانين كيلومتراً، هو مدى الراجمة الأمريكية، وهو مدى أقصر بكثير من أن يكون لدعم قوات تدعمها أمريكا في الرقة! وحتى لو تم تحويل كل من المنظومتين لإطلاق صاروخٍ بالستي واحد مداه 300 كيلومتر، فإن القواعد الأمريكية في شمال سورية وغرب العراق ستكون أقرب مدىً وأكثر تأثيراً… فالراجمات الأمريكية وضِعت في مواجهة شيء آخر غير «داعش»، ومن هنا جاء تذكير الروس عبر وسائل إعلامهم بمنظومة راجمة صواريخ «تورنادو» الأبعد مدىً والأقوى نارياً من «هيمارس» الأمريكية، وجاء قصف «داعش» في دير الزور من غرب إيران، رداً على عمليات «داعش» الإرهابية في طهران، ليقول فعلياً أن ثمة قوة ردع صاروخية دقيقة ومؤثرة تقدر على اجتثاث «هيمارس» وغيرها لو وصلت الأمور إلى حد الاشتباك المباشر، وقد تحسس نتنياهو بالذات من الضربة الصاروخية الإيرانية لأنه فهم أنها تعني أيضاً أن من يصل إلى «داعش» في سورية يصل بسهولة لما بعدها بقليل.
في الآن عينه كشف مركز «إيرورز» (الحروب الجوية) الغربي أن عدد ضحايا قصف «التحالف الدولي» في سورية والعراق منذ بدأت حملته المزعومة ضد «داعش» بلغت أربعة آلاف قتيل حتى الآن، وهو ما يوحي بالنسبة لشرق سورية بالذات أنها حملة منهجية لتفريغها من المدنيين لوضع اليد عليها وتسليمها لأدوات واشنطن، كما أنها جزء من المنهجية العسكرية الأمريكية تاريخياً كما سبقت الإشارة في موضعٍ آخر.
وفي ظل المعادلات الجديدة التي يفرضها الجيش العربي السوري وحلفاؤه في الميدان، خصوصاً في المناطق الحدودية، يقترب موعد انعقاد جولة جديدة من محادثات جنيف، والخلاف بين النظامين السعودي والقطري يترك الطرف الآخر في موضعٍ أضعف بكثير سياسياً، بين قائمة إرهاب سعودية تضم شخصيات عربية متورطة بالميدان السوري، واعتراف حمد بن جاسم بـ«ارتكاب أخطاء» بدعم قطر للإرهاب في سورية، وتخبط العصابات المسلحة و ما يسمى «الهيئات السياسية» التي يتم التنازع عليها ما بين الطرفين مثل ما يسمى «الهيئة العليا للمفاوضات»، وإغلاق المعبر البري الوحيد لقطر مع السعودية، كأن حبات المسبحة تكر، فيضطر الأمريكان للتدخل مباشرة، لكن هيهات…
• كاتب أردني

::طباعة::