سأستأذن أدونيس، لأستعير قوله (ماذا يبقى من التاريخ، إذا حذفنا منه الخرافات؟) واستعارتي لهذا القول سببها أنني وجدت فيه، ما يولد حقيقة قائمة يمكن التعبير عنها بـ (ماذا يبقى من الحاضر، إذا حذفنا منه الخرافات والهبل؟).
وإذا كانت «إسرائيل» أبشع خرافة قائمة في التاريخ المعاصر، حيث صنّع الغرب من خرافة «أرض الميعاد، وشعب الله المختار»، كياناً عدوانياً، يستند إلى الخرافة ويتسلح بالخرافة، ويملأ المنطقة بوقائع الاحتلال والعدوان والتوسع والفتنة..
إذا كانت «إسرائيل» أبشع خرافة ترتدي «دولة» في العصر الحديث، فإن الإرهاب من المتمثل بـ«داعش»، أو ما يسمى «دولة الخلافة»، ليس إلا الخرافة المستخرجة من تشويه للإسلام، ويخلق منظمات تحمل السلاح، وتمارس العدوان، والقتل والتدمير، على أساس التكفير، وتحول خرافاتها من «الفرقة الناجية»، إلى «إقامة الخلافة»، تحولها إلى وقائع تقتل وتدمر وتهجّر وتنهب وتحتل وتعتدي.
وهل نجاح ترامب في الوصول إلى البيت الأبيض، أكثر من خرافة صدمت وتصدم الأميركيين، كما تصدم العالم كله، وهل السياسة الترامبية، أكثر من خرافات وهبل تحتل البيت الأبيض، وتنسحب من اتفاقية المناخ في عداء سافر للإنسانية، وتلغي الاتفاق مع كوبا في تأكيد للعدوانية، وتهاجم ألمانيا وتشتم ميركل بوقاحة، وتتهم عمدة لندن بتهور، وترفع راية الإسلام على (الناتو الخليجي)، هل كل هذه الوقائع الترامبية، أكثر من خرافات وهبل، ولكنها خرافات قاتلة، لأنها تعتدي على الشعوب والدول، ولأنها تخلق وقائع رهيبة؟
وهل استقبال حكام الخليج لترامب، ومراقصته، وتقديم الهدايا الذهبية والماسية له، وإعطاؤه 450 مليار دولار، أكثر من خرافة، ولاسيما أنه رئيس مهتز، ومطعون بحكمه في بلاده، ومدفوع للمحاكمة والتحقيق، ومتهم بالخيانة العظمى، ورغم كل هذه «البلاوي» في ترامب، فإن حكام الخليج «آمنوا به، وصلّوا له، وقدموا له القرابين»- وهو ماذا قدم لهم- أول ما قدمه هو الفتنة بينهم وضربهم بعضهم بعضاً، وتفخيخ «الناتو» الخليجي بالخلاف القطري- السعودي، والإطاحة به قبل أن يرى النور، إن «عبادة» حكام الخليج لترامب، و«تقديم القرابين»، والتوهم بقدرته على ترسيخ نفوذهم، ليست أكثر من خرافات وأوهام، ولكنها خرافات تنتج واقعاً يسرق شعب الخليج، ويهدر كرامته ويبيع سيادته، ويثير الفتنة بين أعضائه، فتنكشف البلاوي والمصائب كحقائق واقعة.
ثم هل من خرافة أكبر من أن يندفع حكام الخليج، بفعل أطماعٍ وأوهام للتحكم بالمنطقة، والسيطرة عليها، إلى طاعة ترامب، وتنفيذ سياسته، حتى لو اقتضت وحكمت بأن يضربوا بعضهم بعضاً، وأن يفضحوا بعضهم بعضاً، وهل كان يتصور أحد أن تعلن السعودية والإمارات، وتكشفا أن قطر أكبر ممول للإرهاب، وأكبر داعم للإرهابيين؟؟ وكان يتخيل أحد، أن ترد قطر عليهما، بأن السعودية والإمارات هما من يمول الإرهاب والانقلابات؟ هل من خرافة أكبر بأن يدفع ترامب أعوانه من الحكام العرب لفضح بعضهم، وكشف عري بعضهم، والاعتراف المتبادل – عبر التهم- بأنهم كلهم مولوا الإرهاب ضد سورية والمنطقة، وكلهم عملوا ويعملون على تغيير الحكومات بالإرهاب و التآمر والفتنة.. إنها الخرافة التي تكشف وتفضح أهلها ومنتجيها، وتكشف وقائع فظيعة، وحقائق لم يكن يصدقها الرأي العام قبل انطلاق الخرافة الكبرى، سياسة ترامب.
بعد كل ذلك، هل من خرافة مجرمة، أكثر من تبعية ما يسمى «المعارضة السورية» من جماعة الفنادق لحكام الخليج؟ هل من هبل وتخريف أكثر من أن يتبع من يسمون أنفسهم «معارضين سوريين»، تخريف حكام هذا الطرف الخليجي، أو ذاك الطرف الخليجي؟ وبعد اعتراف حكام الخليج، عبر الاتهام المتبادل، بأنهم يمولون ويديرون ويتحكمون بالإرهاب ضد سورية، كيف تقبل «المعارضة السورية»، أن تكون جزءاً من أدوات هذا الخليج الداعم للإرهاب؟ وكيف تقبل هذه «المعارضة» أن تنفذ تعليمات متزعمي الإرهاب؟ ألم يحسوا أنهم يمثلون إرهاباً سياسياً، يقوم على إرهاب تكفيري تدميري؟ أم إن خرافة الطمع بالحكم والسلطان تعمي الجميع، وتنصّب نفسها سيدة الخرافات جميعاً.
إن الروح السورية الحضارية الحية، لا تقبل الخرافة والتخريف، لذلك ومنذ بدء الأزمة في سورية، استمر الجيش العربي السوري، الممّثل للإرادة السورية الحية، في محاربة الإرهاب وكسره، واستمر الشعب السوري بكل قواه، يتصدى لعوامل التدمير والقتل، من العقوبات الاقتصادية، إلى الفساد، إلى الخيانة، إلى الإرهاب التكفيري، واستمرت سورية تطهر كل شبر من أرضها، بل كل حبة تراب من رجس الإرهاب، كل ذلك، ما هو إلا إعلان في وجه خرافة «التقسيم»، وهبل ترامب في سعيه لإقامة ما يسمى «مناطق آمنة»، لأن حقيقة سورية التاريخية الحضارية، أنها أرض واحدة، وشعب واحد، وتنوع غني وحي، وهوية حضارية إنسانية، لذلك ستنتصر على كل خرافات الإرهاب والتآمر والتقسيم والفساد والغباء.. ستنتصر على الإرهاب والخرافة والغباء- حتماً- اسألوا التاريخ والحضارة واسألوا أسرار الجغرافيا.
Fouad.sherbaji@gmail.com

print