مثلما هناك صحافة صفراء، يمكن الحديث عن الحب الأصفر والبضاعة الصفراء، عن العلاقات والغايات الصفر، كأن الإساءة إلى هذا اللون مخطط لها تاريخياً، حتى عندما قتل الإرهابيون الرجل الأصفر الشهير في حلب وشرشحوه بشكل مهين، ظهرت الخطوة وكأنها انتقام لوني من أصحاب الرايات السود، أيضاً فإن وجوه البشر عندما تزبد وتظهر على محيّاها علامات الغضب، يقولون إنها صفراء دليلاً على ارتفاع منسوب اللؤم والكراهية التي تكاد تنز من البشرة.. اليرقان يرتدي الأصفر عندما يدهم عيون المرضى ويأخذهم نحو الشحوب كي يدركوا حجم الخطر الذي يحدق بهم ويصعب على المشافي أن تقدم لهم شيئاً لإنقاذهم.. كل الأشياء السلبية في هذا العالم يلبسونها الأصفر كأن هناك مخططاً استعمارياً هائلاً لتشويه سمعة هذا اللون النبيل.. عندما يتطور مرض الطاعون إلى مراحل خطيرة يسمونه الهوى الأصفر.. من النادر أن نعثر على وردة صفراء، أو صداقات صفر، حتى عندما يكرّب المرء يقولون إنه يعاني السعال الأصفر أي الناشف والقاسي، في وقت بات سعر الدواء في «النار والكوى» كأن هناك مخططاً تاريخياً فعلاً للنيل من مكانة هذا اللون وحذفه نهائياً من تدرجات قوس قزح.. الكتابات الرديئة صفراء.. والغيرة لونها أصفر.. الأمراض والأخطار وعلامات التعب، جميعها ملونة بالأصفر، فهذا اللون يكاد لا ينجو من مكيدة حتى يقع في أخرى، ولا ينتهي من دفع الاتهام في هذه القضية حتى ترفع قضية أخرى ضده على الفور، هذا اللون مطلوب رأسه سلفاً على الشبهة، رغم أن الدراسات وخبراء الألوان والأذواق يؤكدون فرادة هذا اللون ودلالته على الجرأة والرصانة والاحترام، إلا أن الإشاعات تلاحقه وتطعن به من كل حدب وصوب.
يؤكد الرسامون أن في الأصفر جماليات لا تكتشفها سوى العين الخبيرة، فالعالمي فان كوخ قال يوماً: «أيها اللون الأصفر يا أنا» كذلك الأمر بالنسبة لبيكاسو ودالي وفاتح المدرس، جميعهم احتفوا بالأصفر بشكل ما..
اليوم، يقف الأصفر على باب القصر العدلي حاملاً مستنداته الثبوتية: الذهب لونه أصفر، والأصفر علامة الشمس عند الآشوريين والأنوثة لدى المصريين.. عبّاد الشمس أصفر، والسنابل قبل الحصاد صفراء.. الأصفر يريدُ الآن ومن دون تردد حقه من الذائقة أسوة بالألوان الأخرى!.

print