الجمال حاجة، ضرورة، أم هو رفاهية؟
قد يبدو أن البحث عن جواب «الجمال» لاختيار مركزيته، ما هو سوى حالة فانتازيا مثالية للهرب من كلّ ما يحدث، وما سوف يحدث، ولاسيما في بلاد تدفع فاتورة الحرب على مدار عقارب الساعة، من جراء تفاقم أزمات القرن الجديد الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، والدينية… ولكن لندع جانباً الإحداثيات السابقة الّتي تشير وتبحث في تلك الأزمات الّتي لا ترى أي مخرج لازدهار أنساقها إلّا بمتابعة الإعلاء من شأن الحروب وترجمتها واقعياً، بغض النظر عن الأرواح الّتي ستزهق، والأشجار الّتي ستحرق، والدموع الّتي ستنهمر، والطاقات الّتي ستهدر، والبيئة الّتي ستتلوث، والعصافير الّتي ستمتنع وستُمنع من التغريد. وبعيداً عن تداول الفقر والتفقير، وفقدان الثقة الّتي ستشكل رأسمال ريعي للمثقفين، والفنانين، والرعاة، والرعايا، والعابدين، والمستعبدين، وللدودة الّتي ولدت من رحم أوراق التوت ليحظى الفقهاء بطعام التائبين!.
أقول: لندع كلّ هذا وبحوثه ورأي نخبه جانباً، ولنفترض أن جنين تلك الأزمات كلّها آتٍ من رحم أزمة أخرى،أزمة لطالما استغلها، تناساها، غيبها، وتاجر بها الكثيرون لمصلحة الحروب، أزمة عاشها الإنسان منذ اُعتُبرت التفاحة خطيئة وأُغرق الجمال بالخطايا ضمن أزمة مازال البحث جارياً للتخلص تبعياتها من دون جدوى؟!
مما لاشكّ فيه أن الفكر الإنساني لم يبخل يوماً بمحاولاته لإعطاء القيم الجمالية ريادتها، فمنذ فجر التاريخ ربط الإنسان الظواهر الأجمل بالمرأة واتخذ منها رمزاً جمالياً، فها هي «عشتار» إلهة للحبّ والجمال عند البابليين، تقابلها «إنانا» عند السومريين، و«عشتاروت» عند الفينيقيين، و«أفروديت» عند اليونانيين، و«فينوس» عند الرومان، وهي كوكب «الزهرة» بكلّ ما يحمل من الجمال صباحاً ومساءً، ونراها في بعض مجسماتها تحمل وردة لتقدمها لعشاقها بغض النظر عن الانتماء الطبقي أو العرقي، أو الكهنوتي، أمّا في الديانات السماوية فقد كان الجمال هبة يقدمها الله للصالحين في دار الآخرة، حيث تتساوى العطايا هناك «بعيداً عن الأرض!» وبعيداً عن الانحياز للون أو عرق أو مكانة اجتماعية، فالجمال متسامٍ عن كلّ غرور أو فردانية، وعند تأنيثه كقيمة يمتلك الشجاعة للسكن في أبسط المخلوقات، لمقارعة النقيض صانع الأزمات.. يقول عالم الفيزياء الألماني «أينشتاين»: «الـمُثل الّتي أنارت طريقي ومنحتني الشجاعة لمواجهة الحياة بفرح، هي الحبّ والجمال والحقيقة».. أمّا «شكسبير» فيرى أنّ تفكير الإنسان هو الّذي يصور الجمال والقبح، وبهذا يضع شاعر انكلترا العظيم البشرية داخل مأزقها، مثلما يطالبها باعتناق الجمال لأجل النجاة، ومن أراد الهروب من هذه المسؤولية، مشككاً بعصره ومعطياته القبيحة، فإن «ميلان كونديرا» لن يُبرئه حيث يقول الروائي الفرنسي: «الإنسان نسج حياته على غير علم منه وفقاً لقوانين الجمال حتى في لحظات اليأس والأكثر قتامة».. وهذا القول يؤكد أيضاً فطرية الجمال من حيث كونه ضرورة للانتساب إلى الإنسانية..
أما الأديب وداعية السلام الروسي «تولستوي» فيرى أن المثل الأعلى للفضيلة يتجسد في نفسٍ جميلة وجسدٍ جميل، أمّا شاعر الهند «طاغور» فإنه يُعرّف الجمال على أنه هو الإخلاص، والمقصود الإخلاص لكلّ الظواهر والموجودات والقيم الإنسانية الروحية منها والمادية.. السويسري «جان جاك روسو»، الّذي يُعدّ من مفكري وكتّاب عصر الأنوار الأوروبي، يرى في الجمال ضرورة لاستمرار الحياة بروعتها إذ يقول: «انزع من قلب الإنسان حبّ الجمال تَسلب من الحياة جاذبيتها وروعتها». أما الكاتب الليبي «الصادق النيهوم» فيرى الجمال معياراً لأيّ حضارة، فالحضارة لا يمثلها الغرب أو الشرق بل يمثلها الإنسان القادر على تذوق الجمال أينما يراه… ويضيف إلى ذلك الفيلسوف اللبناني «جبران خليل جبران»: أن لا دين ولا علم من دون جمال.. الشاعر السوري «نزار قباني» يراه خلاصة العبقرية بقوله: «جمعت الطبيعة عبقريتها فكان الجمال»، أمّا الأديب المصري «نجيب محفوظ» فيراه ضرورة لكلّ طالب حرية ومساواة وعدالة بقوله: «الجمال سلاح نافع حقاً في يد الفقير»… المفكر الجزائري «مالك بن نبي»- الّذي يعدّه الكثيرون امتداداً لفكر ابن خلدون، يؤكد أن الجمال حاجة مطلقة وغاية أرضية مطلقة أيضاً للسلام فيقول: «الجمال هو الوطن، فلنحفظ جمالنا كي نحفظ كرامتنا».
fatehkalthoum@gmail.com

print