عاد في الآونة الأخيرة مصطلح «كي الوعي» للتداول مجدداً في وسائل الإعلام، بما ينطوي عليه المصطلح من مضمون فاسد، ينطلق من «تقديس» العنف والوحشية والإرهاب، واتباع أساليب قهرية زاجرة، تتقارب في عنفها مع الأساليب المتبعة حين ترويض الضواري، لتعديل طبائعها واستبدال غرائزها الفطرية بما ينسجم ورغبات القائم بالترويض.
واللافت، أن الموسوعات والأدبيات المختلفة خلت تماماً من هذا المصطلح، وتالياً غاب تعريفه وتفسيره، فاختلطت مفاهيمه وتداخلت مراميه، وربما كان سبب احتجابه حتى عن أشهر الموسوعات، هو حداثة المصطلح الذي أطلقه أول مرة موشيه يعلون رئيس الأركان السابق لجيش الاحتلال الإسرائيلي خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، حين دعا إلى تفعيل ما سماه «كي الوعي الفلسطيني»، في إشارة منه إلى ضرورة توجيه ضربات عسكرية ساحقة، تجبر الفلسطينيين على «الإقرار بعجزهم» عن الانتصار على كيان الاحتلال، أو حتى إكراهه على تقديم تنازلات تحت ضغط الفعل المقاوم.
وإذا كانت فكرة «كي الوعي» قد ألصقت بـ موشيه يعلون، لإيهام الرأي العام بأنها جاءت رداً على الانتفاضة الفلسطينية عام 2000، بقصد التغطية على جرائم الاحتلال التي سبقت هذا التاريخ، وإظهار ممارساته البربرية ضد الشبان الفلسطينيين، على أنها إجراءات طارئة لتفادي مخاطر «العنف الفلسطيني»، فإن وقائع التاريخ تؤكد أن الإرهاب والوحشية المفرطة هي مكون أساس في الفكر العنصري الصهيوني، شرَّعه ومارسه غلاة المستوطنين قبل احتلال فلسطين، واستمر لما بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948، وحتى يومنا هذا.
فمنذ ثلاثينيات القرن الماضي وضع زئيف جابوتنسكي أحد آباء الحركة الصهيونية، الأسس النظرية لهذا النهج البربري حين قال: «إذا أيقن العرب أن محاولة فرض إرادتهم بالقوة هي أشبه بعبور جدار حديدي يستحيل اختراقه، فسيكونون عندئذ مستعدين للتسليم بالسيطرة اليهودية على (أرض إسرائيل)».
أما الترجمة العملية لأفكار جابوتنسكي الإجرامية وغيره من المنظرين المتطرفين الصهاينة، فقد جسدتها عصابات الإرهاب المسلحة الصهيونية في فلسطين قبل قيام الكيان، أمثال عصابة «الهاغاناه وشتيرن والأرغون والبالماخ» وغيرها، إذ ارتكبت تلك العصابات المجازر المروعة بحق الفلسطينيين في قراهم وحقولهم ومساكنهم، بدعم ومباركة سلطات الانتداب البريطانية.
بعد قيام الكيان الصهيوني، وضع دافيد بن غوريون (أول رئيس وزراء لكيان الاحتلال) هذه الأفكار في صيغة عملية خلاصتها أن: «على الجندي العربي أن يصل إلى قناعة بأن أمامه خياراً واحداً فقط عندما يواجه الجندي «الإسرائيلي» هو الفرار».
وعندما حلت نكسة حزيران 1967 تعززت الفكرة الصهيونية بتكريس مفهوم التفوق على العرب، فرفعوا سقف شعاراتهم التي استهدفت التأثير في القناعات العربية الراسخة بحتمية زوال الاحتلال، واستبدالها بقناعات ترمي إلى «الإقرار باستحالة هزيمة الجيش الصهيوني»، فكان شعار: «الجيش الذي لا يهزم»، الشعار المحبب للصهاينة بعد النكسة.
لكن هذه المقولة المفعمة بالغطرسة والصلف والغرور، أسقطتها حرب تشرين المجيدة، حين أثبتت أن جيش الاحتلال قابل للهزيمة والاندحار، رغم ما يملكه من تفوق ودعم خارجي، والشاهد سقوط خط بارليف في سيناء وخط آلون في الجولان منذ الساعات الأولى لحرب رمضان المجيدة عام 1973.
أصيب العدو الصهيوني بالصدمة والارتباك، من جراء المفاجأة الاستراتيجية المهددة لكيانه، فأخذ يعزو ما حصل تارة لإخفاق استخباراته، وتارة أخرى لفشل سلاحه الجوي، وأحياناً لتقصير قواته البرية، وسقوط الخطوط الدفاعية الحصينة في الجولان وسيناء المحتليْن، وتداعي تلك الخطوط سريعاً أمام الخطا الثابتة للجنود السوريين والمصريين.
وبعد استفاقته من الصدمة التي هزت كيانه من جذوره، حاول العدو الصهيوني استعادة «هيبة» مؤسسته العسكرية بالعدوان البري على دولة من دول الطوق العربي، فشنّ عام 1982 عدواناً واسعاً على لبنان وصل خلال أيام إلى عاصمته بيروت. وظن أنه حقق هدفه ومبتغاه في استعادة «هيبته» التي يتم من خلالها «كي الوعي الفلسطيني واللبناني والعربي بشكل عام».
لكن الاحتلال لم ينعم طويلاً بنشوة ما حققه في لبنان، لأن المقاومة الوطنية اللبنانية شرعت بشنّ هجماتها النوعية الجريئة على تجمعات الجنود الصهاينة حيثما كانوا، وتم تفجير مبنى الحاكم العسكري الصهيوني في مدينة صور ومقتل 74 جندياً وضابطاً صهيونياً عام 1982، أعقب ذلك تفجير مبنى قوات مشاة البحرية الأمريكية في بيروت عام 1983 الذي نجم عنه مقتل 241 جندياً وضابطاً أمريكياً دفعة واحدة، ما أدى لفرار «المارينز» من لبنان أمام هجمات المقاومة، تبع ذلك فرار الجيش الصهيوني من بيروت التي تحولت إلى مسرح للعمليات الاستشهادية، لا طاقة للعدو الإسرائيلي على تحملها.
بالنظر لما تقدم، فقد مارس العدو الصهيوني سياسة «كي الوعي» منذ بدايات المشروع الصهيوني في فلسطين، وإن لم تكن ممارساته الإجرامية تحمل الاسم ذاته «كي الوعي»، لكنها كانت تحمل الهدف والمغزى ذاتهما.. ومع قدوم حرب تشرين المجيدة سقطت فكرة «الجيش الذي لا يهزم»، كما سقط عامل الردع حين لم يردع التفوق العسكري والسلاح النووي الصهيوني الجيشين السوري والمصري عن شن حرب شاملة من جبهتين على جيش الاحتلال، فكانت حرب تشرين التحريرية نقطة انعطاف تاريخية تفصل بين مرحلة النكبات والنكسات والهزائم، ومرحلة الانتصارات التي أسست لها حرب تشرين التحريرية عام 1973.
والأهم من هذا وذاك، أن حرب تشرين التحريرية وضعت حداً للغطرسة الصهيونية، حين حولت «كي الوعي» الموجه للعرب، إلى «كي وعي مضاد» نال من قناعات ومعنويات وقدرات الجنود والضباط الصهاينة، بعد أن أيقنوا أن «كي وعي الشعب الفلسطيني واللبناني وبقية العرب» غاية مستحيلة، ولاسيما بعد أن أرغمت المقاومة اللبنانية جيش الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب القسري من بيروت عام 1983، وأكرهته على الانسحاب العشوائي من جنوب لبنان عام 2000، وأجبرته المقاومة الفلسطينية على الانسحاب من قطاع غزة عام 2005، ثم جاءت هزيمته النكراء على يد رجال حزب الله عام 2006، التي كشفت هشاشة الجبهة الداخلية الصهيونية، لتغدو صورة الكيان الصهيوني «أوهن من بيت العنكبوت»، وهُزم جيش الاحتلال بعد ذلك في قطاع غزة أعوام 2009 و2012و 2014 رغم المجازر وحجم الدمار الهائل واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً.
لقد تجسد «كي الوعي» المرتد على الكيان الصهيوني بعدة مظاهر أهمها: إقرار العدو بالعجز عن خوض حرب استنزاف طويلة، وافتقاره العمق الاستراتيجي، واعترافه بسقوط عامل الردع، وانكشاف الجبهة الداخلية، وتراجع الجاهزية القتالية، وصعوبة نقل المعركة إلى خارج الأرض المحتلة. والأهم وقوع جميع المناطق الحيوية الصهيونية- بما فيها حاويات الأمونيا في ميناء حيفا، والمفاعل النووي في ديمونا- ضمن مدى وتأثير صواريخ المقاومة، القادمة من شمال فلسطين وجنوبها، وفشل منظومات الدفاع الجوي الاعتراضية في التصدي لها.
لقد كان لهذه المستجدات بالغ الأثر الكيان الصهيوني الذي وجد نفسه أمام شكل جديد من الصراع، عماده الإنسان الواثق من النصر، الذي يجيد القتال وفق قواعد الاشتباك الجديدة بدرجة مذهلة، ويحسن المناورة والتخفي في الميدان، ويحمل روحاً قتالية عالية تخوّله نقل المعركة إلى داخل الأرض المحتلة. هذا فضلاً عن سلاح الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، القادرة على إصابة أبعد هدف إسرائيلي داخل فلسطين المحتلة بدقة عالية.
إن مقولة «بيت العنكبوت» التي أطلقها السيد حسن نصر الله في خطاب النصر من بنت جبيل، هي الرد المنطقي على مقولة «كي الوعي العربي» التي أطلقها يعلون، والتي تعني زوراً «مناعة» الكيان الصهيوني أمام جميع الأخطار، و«استحالة» إنزال الهزيمة الاستراتيجية به.
إزاء ذلك، وفي إطار تبرير التراجع في الأداء العسكري والسياسي للكيان الصهيوني، وإخفاقه في «كي الوعي العربي»، فقد أنحى بنيامين نتنياهو باللائمة على سلفه الذي سمح وقتئذٍ بالانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، خلال محاضرة ألقاها عام 2007 فقال: «إن المسار التاريخي لـ«إسرائيل» انقلب بدءاً من الانسحاب من لبنان عام 2000 مروراً بالانسحاب من قطاع غزة 2005 وانتهاءً بحرب تموز عام 2006» وتابع القول: «إن «إسرائيل» لم تعد في نظر العرب «دولة» لا تهزم، وقد عاد التساؤل الوجودي عن إمكانية بقائها يلوح من جديد، ليس لدى الأعداء فقط، بل لدى الأصدقاء أيضاً».
وفي أيامنا هذه، وبعد مرور تسعة وستين عاماً على النكبة، لم تلن للفلسطينيين قناة، فتستمر انتفاضاتهم في الوطن المحتل، لتزيد موقف العدو حرجاً وتعقيداً، وكلما انتهت انتفاضة انطلقت أخرى بأساليب تختلف، فمن الانتفاضة الأولى عام 1987 وسلاحها الحجارة، إلى هبة النفق عام 1996 وسلاحها المسيرات الحاشدة التي عمت كل فلسطين، إلى انتفاضة الأقصى المسلحة عام 2000، وطابعها العمليات الاستشهادية، إلى انتفاضة القدس بداية تشرين الأول 2015 وطابعها أعمال الدهس والطعن وإطلاق النار، إلى انتفاضة الأمعاء الخاوية للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والسوريين في سجون الاحتلال بدءاً من 17 نيسان 2017، وشعارها «ماء وملح»، وقد دخلت بزخم مرتفع شهرها الثاني.
لقد رسم النهج المقاوم في شتى أشكاله وميادينه مساراً جديداً للصراع الوجودي مع العدو الصهيوني، فلم تكن حرب تموز نهاية هزائمه كما قال نتنياهو، لأن سلسلة هزائم أخرى حلت به عام 2009 و2012 و2014 خلال اعتداءاته على قطاع غزة، فكانت حصيلة ما تقدم، أنها أسست لـ «كي وعي» مضاد مهمته: «أن يجعل الجندي الصهيوني عند أول مواجهة مع الجندي أو المقاوم العربي يعتقد، بشكل مطلق، أنْ ليس أمامه إلا خيار واحد.. هو الفرار».

print