«أعن الوطن تسألين؟!» لمجدولين أحمد الباشا
تشرين – أحمد محمود الباشا:
منذ صغرها كانت متفتحة الذهن شغوفة مولعة بسماع الشعر والقصص والحكايا، ولم تكن تتجاوز حينها الست سنوات، وفي الصف الثاني من الحلقة الأولى، كتبت قصيدتها الأولى عن الطفل الشهيد الفلسطيني محمد الدرة برصاص العدو الصهيوني الغادر، وهو في حضن والده، ومن ثم تابعت كتابتها للقصائد الشعرية والقصص والحكايا، حيث كانت معلماتها يطلبن منها إلقاء ما لديها من أعمال جديدة عليهن وعلى زميلاتها.
إضافة إلى ذلك هي متفوقة ومجتهدة ومجدة في دراستها حتى تخرجها من الجامعة وممارسة مهنة المحاماة، ولكن ذلك لم يمنعها من متابعة موهبتها وصقلها حيث واصلت مسارها في الكتابة سواء كان شعراً أم نثراً، ولم تتوقف أبداً، وخصوصاً عند حدوث أي واقعة من خلال الحرب الظالمة التي فرضت على سورية منذ أكثر من عقد، وما رافقها من آلام وجراح.
هذه الكاتبة هي ابنتي المحامية مجدولين أحمد الباشا التي حازت على إجازة في الحقوق، وقدمت رسالتها بالأستذة وحصلت عليها بدرجة امتياز.
ومن كتاباتها هذه المقالة أو الخاطرة التي تتحدث عن الوطن وما آل إليه من آلام وأوجاع، وهي بعنوان: «أعن الوطن تسألين؟!» التي سنقدمها كما وردت على لسان كاتبتها.
غلب السواد على كل شيء، على اللباس، التفكير، الأحلام واليقين، وظهرت في بعض الأنحاء رايات سود كغراب البين، ما لبثوا أن أصدروا شرعاً جديداً غير ما تعلمناه وعرفناه عن الدين، أستغرب جداً حين أناقش أحد أتباعهم ويريد أن يبدي لي أني لله ﻻ أعرف وبدين التوحيد ﻻ أدين.
أعن الوطن تسألين؟
لم نعد نعير اهتماماً لموت رجل بالسكتة ناهز من العمر الستين؟ بل نحسده قد مات في سريره قرير العين.
بتنا إن حادثنا أحد عن غير الحرب والأزمة ، نستغرب ! و كأنه صنع إنجازاً في تجاوزه لها ، كإنجاز صلاح الدين في حطين.
كل يتشح بسواد على قريب أو حبيب أو ابن ، و اتخذ الله معيلاً و معيناً، و ﻷول مرة نزل الليل و خيم على دمشق من ساعات اليوم احتل الأربع و العشرين.
و دمعت مقل دمشق الياسمين منذ أيام هوﻻكو لم تخسر هذا القدر من الأبناء والبنات والشيوخ و البنين . و تساءلت شآم أين عهد بني أمية و أين أندلس الأمويين؟ . و أين كنت قبل بضعة أعوام ، أعج بالسياح بالحجاج ، و أغص بكثرة أبنائي واكتظاظ شوارعي بأصوات أبواق السيارات يلحنها السائق تلحين؟
أعن الوطن تسألين؟
لم نعد نعير اهتماماً لموت رجل بالسكتة ناهز من العمر الستين، بل نحسده لأنه مات في سريره قرير العين، بتنا إن حادثنا أحد عن غير الحرب والأزمة، نستغرب! كأنه صنع إنجازاً في تجاوزه لها، كإنجاز صلاح الدين في حطين.
كل يتشح بسواد على قريب أو حبيب أو ابن، واتخذ الله معيلاً ومعيناً، وللمرة الأولى نزل الليل وخيّم على دمشق من ساعات اليوم احتل الأربع والعشرين.
ودمعت مقل دمشق الياسمين، منذ أيام هوﻻكو لم تخسر هذا القدر من الأبناء والبنات والشيوخ والبنين، وتساءلت شآم أين عهد بني أمية وأين أندلس الأمويين؟ وأين كنت قبل بضعة أعوام، أعج بالسياح بالحجاج، وأغص بكثرة أبنائي واكتظاظ شوارعي بأصوات أبواق السيارات يلحنها السائق تلحيناً؟
عن أحوالنا تسألين؟
كثر تجار الأزمة وتجاوزت الحد طبقة المنافقين والغشاشين وكان الله لنا خير معين.. صار معظم أصحابي من المهاجرين، أما من بقي منهم فاتخذوا طرقاً ﻻ علم لي بها وبين ليلة وضحاها غدوا أصحاب ملايين.
دمشق للمرة الأولى ودعت أكواماً من أبنائها الذين انطلقوا بأسراب عن أحلامهم باحثين.. فاستقبلتهم أوروبا بصفة نازحين وﻻجئين، وعانوا من فرط الشوق للوطن والأهل وبأحزانهم هم متخمون.
أعن الوطن تسألين؟
أعن الوطن تسألين؟ فماذا أخبر؟ وماذا أجيب؟ ألم تصلك أخبار الحرب؟ أﻻ تعلمين؟ أم إنك لم تجدي سؤالاً غيره لي تسألين، أو إنك ﻻ القوة وﻻ الجلد لسؤالي عن موت أختي تملكين؟ لقد كانت مشروع طبيبة، لملمتها أشلاء وأمي كانت تصدر شتى أنواع الأنين، خرجت تتبضع فستان العرس مع صديقتها، فزفتها للموت عروساً وكللت أمي عروسها بتاج ياسمين، كم أتذكر ضحكتها، وحديثها الناعم وحبها للاختلاق بخلق المصطفى الأمين؟ قرأت الفاتحة على روحها وختمتها بكلمة آمين، وثار في صدري بركان كأنه مرجل حداد انساب في داخلي وكواني حتى بات العشق حزيناً.
فماذا أخبر؟ وماذا أقول؟ الخلاصة أنني كحال كل سوري لعهد ما سبق الحرب أشعر بالحنين.