بعد أن مدّ الطالب يده صافعاً أستاذه أثناء مشادّة كلاميّة بينهما، أصرّت الموجهة مي علامة على كتابة ضبط لترفعه لوزارة التربية بعد أن يوقع عليه الأستاذ الذي وجه إليه الكلام البذيء والشتائم، والمعلمات اللواتي تأذين من تصرفات الطالب اللا أخلاقية معهن، لكن ما إن سامح الأستاذ طالبه بحجة أنه ما زال مراهقاً «ولا يدري مصلحته»، ماسحاً الإهانة بذقنه كما يقال، رجع الطالب إلى تصرفاته الطائشة.
مدير التوجيه في وزارة التربية المثنى خضور تعجب عندما عرضنا القصة عليه، متسائلاً: لماذا لم يمارس الأساتذة سلطتهم، فهناك مجلس المدرسين في المدرسة يفرض عقوبات تربوية رادعة من شأنها ضبط تلك التصرفات بطريقة تربوية، وفي حال قرر المجلس فصل الطالب لا يمكن إلغاء القرار بأي شكل من الأشكال، شاملاً مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي في النظام الداخلي للمدرسة.
ما عرضناه على مدير التوجيه ليس حالة فردية إنما هو نموذج عن حالات الشغب التي باتت تنتشر كالنار في الهشيم في المدارس ولاسيما في مرحلة التعليم الأساسي، فهل كان لقرار منع الضرب في المدارس دور في ذلك، أم أن التكنولوجيا هي السبب، أم ماذا؟ وأمام ذلك الواقع ما الحل في رأي المعنيين والمرشدين لتجاوز تلك التصرفات والتغلب عليها بطرق تربوية وعلمية؟
ليس سهواً
«سقط المعلم من عين الطالب، لكن ليس سهواً» فعلى حد قول المعلمين، أن الطالب «شادد ظهره» بوزارة التربية التي منعت الضرب والعقاب وهو ما أثر في نفسية المعلم، فكما بينت معلمات مدرسة بسام عزام للتعليم الأساسي أصبح الطالب يحل مشكلته بيده كي لا تتدخل الإدارة وتعاقبه وهو ما حدث في إحدى المرات.
تحدثت معلمة الأنشطة كنانة راشد عن تجربتها مع سلوكيات الطلاب السلبية مستذكرة قصة الطالب الذي يعاني من زميل له يجبره على مشاهدة مقاطع فيديو مخلة بالآداب، قائلة: عندما طالبنا بحضور ولي أمر الطالب خجلنا من قول ما تحدث ابنه أمام المعلمة حين سألته عن هذه المقاطع التي في جواله.
مدير التوجيه كان له تعليق على تلك الحالات بالقول: لابد من التأكيد على أهمية التواصل المستمر بين المدرسة والأهل للتعاون معاً، للوصول إلى أنسب الطرق لضبط سلوك الأطفال بالطرق العلمية والتربوية المناسبة التي من شأنها جذب انتباه الطالب والحد من حالات الشغب وضبط السلوك غير السوي، صحيح أن وزارة التربية منعت الضرب لكنها لجأت لأساليب حضارية وقواعد تربوية إذ قامت بتدريب المعلمين والمعلمات على أساليب الضبط الإيجابي وإدارة الصفوف الكبيرة خلال دوراتها التدريبية المستمرة.
ماكياج وشوية حمرة
«إنه كريم واقي شمسي لكنه ممزوج مع كريم أساس في حقيقة الأمر» هذه العبارة التي قالتها والدة الطالبة سناء لمدرسة الأنشطة وداد الصفدي حين طلبت قدومها للمدرسة بعد ملاحظتها أن الطالبة تعدت الحدود بزينتها.. تلقى الصفدي صعوبة في ضبط سلوك الطلاب في هذه المرحلة ولاسيما بعد دخول الانترنت إلى يومياتهم وسلبه عقولهم!
«على وزارة التربية أن تعطي علامة سلوك الطالب حقها بشكل تام كي يرتدع الطالب المشاغب ويتم ضبط المدرسة ككل» بهذا الاقتراح بدأ الموجه الإداري ماهر بشر حديثه عن شغب الطلاب في المرحلة الأساسية، منوهاً بضرورة تعيين مرشد صحي في كل مدرسة كي يشرح للطلبة ما يحجبه الأهل والمجتمع عنهم.
وهنا يؤكد مدير التوجيه في وزارة التربية خضور «أن الوزارة فعّلت درجة السلوك بشكل تربوي ومهني» لكن تكمن العبرة في تطبيق المعلمين لهذا القرار. يقول: إن كل الحق على المعلم فعليه أن يسأل نفسه: هل هو يعطي الدرس بطريقة المحاضرة وتلقين المعلومات لأن هذا الأسلوب يجعل الطالب يشعر بالتململ والشغب، أم أن هناك فجوة معرفية بين الطالب والأستاذ لذا يشاغب ليلفت النظر؟ أو أن الطالب يعتقد أن المعلومة المعطاة أدنى من مستواه، منوهاً بأن الطلاب يتعلمون بطرق سمعية وبصرية وحسية وحركية، وعلى المعلم أن ينوع في طرائق التدريس حتى يكسب هذا الطالب.
تغيرات
وهنا ترجع المرشدة النفسية فائدة سلامة سبب سلوكيات الشغب لدى الطلاب إلى الانتقال من فترة الطفولة إلى المراهقة وهو ما يؤدي إلى إشكاليات تواجه الطالب والإدارة معاً، وترى أنه في هذا العمر تزداد حالة العناد والعصبية وعلى إدارة المدرسة أن يتسع حضنها كي تستوعب ما يمر فيه من تغيرات فيزيولوجية ونفسية، ومع هذا لا بد من أن تقوم بمعاقبة من يرتكب الرذيلة، وعوّلت سلامة على أهمية معاملة الأهل للطالب على أنه أصبح مسؤولاً عن تصرفاته وله كامل الحرية في تقرير ماذا يريد، لا معاملته كأنه طفل يرجع إلى الأهل في كل شيء وهنا تكمن الإشكالية في ازدواجية الحالتين وهو ما يسبب ضياع الطالب متسائلاً: هل أنا كبير أم صغير؟! وختمت سلامة بالقول: المدرسة حلقة وصل بين الطالب والأستاذ ولابد من أن تكون حلقة متينة فالمدرسة تربية قبل أن تكون تعليماً.
للأزمات النفسية
وإن تساءلنا عن دور المرشد الاجتماعي في فهم سلوكيات الطلاب وشرحها فدوره لا يمكن إغفاله في المدرسة فهو، كما بين خضور، يوفر دعماً نفسياً اجتماعياً للطلاب الذين يعانون أزمات نفسية شديدة تنعكس على سلوكهم داخل المدرسة وغرفة الصف، ومن أجل هذا قامت وزارة التربية بالتعاون مع منظمة اليونسكو بإعداد كتيب للدعم النفسي يساعد المعلم والمدرس على تقديم دعم نفسي أولي للتلاميذ الذين تعرضوا لأذية نفسية نتيجة ظروف الأزمة التي يمر فيها البلد وسيتم توزيعه على المعلمين للاستفادة منه في عملهم.

print