ما حدث مؤخراً في معرض أبو ظبي للكتاب، دفع إلى إثارة موضوع نشر الكتاب وطباعته وتسويقه وإيصاله للقارىء الداخلي والخارجي. فقد وصلت كتب الناشرين السوريين إلى الإمارات للمشاركة في معرض أبو ظبي، لكن أصحاب الدور لم يحصلوا على التأشيرات و«الفيز» من أجل اللحاق بكتبهم، فهل يعقل أن يدفع أولئك تكاليف الشحن وحجز الأجنحة من دون المشاركة في المعرض؟. رغم مشاركة رئيس اتحاد الناشرين السوريين وصاحب دار «الحافظ» هيثم الحافظ، في هذا المعرض وإطلالته على الشاشات من أجل الإضاءة على المشاركة السورية هناك، إلا أن المشكلة لم تُعالج، وهو ما جعله موضع اتهام من قبل الناشرين الذين أشاروا إلى تقصير كبير في هذا المجال.. هنا لقاءات مع بعض من دور النشر الذين عانوا من هذه القضية ومن مسائل أخرى تتعلق بالنشر والكتاب السوري بشكل عام:
يقول سامي أحمد صاحب دار التكوين في دمشق: «دُعينا بصفتنا التجارية للمشاركة في معرض أبو ظبي كما في غيره من المعارض، وقدمنا الأوراق المطلوبة، وجاءت الموافقات وقمنا بشحن الكتب، وجلسنا ننتظر الفيزا. بدأ المعرض ولم تصل الفيزا لعشرات الناشرين من مختلف الأطياف. وأرادوا تحميلنا تكاليف الأجنحة مع أننا لم نسافر».
يضيف صاحب دار التكوين: إن الناشرين المستبعدين من المشاركة استبشروا خيراً بما يمكن أن يفعله رئيس الاتحاد الذي وصل إلى أبو ظبي من أجل المشاركة، لكن ما حدث لم يكن كذلك للأسف، وهو ما دفعهم للتساؤل عن الدور الذي يفترض أن يمارسه الاتحاد في هذه الحالات، وكيف يمكن أن يساعد الناشر السوري في إيصال مطبوعاته إلى السوق العربية إذا ما شاءت بعض الدول ممارسة نوع من الحصار عليه وعلى المطبوعات السورية كما يجري على مختلف الصعد الاقتصادية وغيرها؟. يقول سامي:
«عندما علمنا أن رئيس اتحاد الناشرين توجه إلى أبو ظبي استبشرنا بأنه، -ومن مهامه الدفاع عن الناشرين السوريين- سيقوم بإنصاف من يمثلهم، لكنه ظهر على الشاشات في المقابلات ليشيد بالمعرض وتنظيمه ومنظميه من دون أن يرى أجنحة السوريين الفارغة!».
محمد عيسى صاحب دار بعل للنشر في دمشق، تناول المسألة من جوانبها المختلفة، فمن ناحية المشاركة في معرض كتاب أبو ظبي، قال: إن المؤسسات في أبو ظبي تستشير أفراداً لا يقيّمون المشاركة في المعارض من جانبها الموضوعي، لذلك فإن حدوث مثل هذا الاستبعاد ليس غريباً في هذه المرحلة التي تتدهور فيها الثقافة العربية ومؤسساتها بشكل عام.
القصة لا تنتهي هنا بالنسبة لصاحب دار التكوين، فالأمر ينطوي على دلالات ثقافية ومؤسساتية يعانيها المشهد العربي بشكل عام، وتالياً فهو يطالب أن تؤدي المؤسسات أدوارها المطلوبة بالشكل الصحيح وإلا سنكون كمن يحرث الرياح.. يضيف سامي: «بعد وصوله إلى معرض أبو ظبي الدولي للكتاب أشاد رئيس اتحاد الناشرين السوريين بالثقافة في أبو ظبي وتحدث كثيراً عن تنظيم المعرض، والنظافة والإضاءة مع زهوّ القراءة، وباركَت ابتسامته الجهود الثقافية، ولكنه للأسف الشديد لم يذكر في مقابلاته الصحفية وتغريداتهِ القوية أن أكثرية أجنحة الناشرين السوريين فارغةً إلا من الهواء، ولم يكلّف نفسه عناء السؤال العلني لأي جهة مسؤولة صحفية أو إعلامية في أبو ظبي، لماذا أغلبية الناشرين السوريين لم يأتوا إلى المعرض هذا العام؟»…
من جانبه، يشير محمد عيسى مدير دار بعل للنشر، إلى أن هذه المرحلة ربما من أفضل المراحل في نشر الكتب السورية لكن من جانب آخر يختلف عما حدث في معرض أبو ظبي.. يقول عيسى:
«هذه المرحلة من أفضل المراحل في نشر الكتب، والسبب يتعلق أولاً بالمعارض الخارجية المربحة خلال السنوات الماضية، بسبب ارتفاع سعر الدولار خلال الحرب ما يعني فروقات كبيرة مقارنة بالليرة السورية حيث يباع الكتاب في الخارج بالدولار ثم يُحول إلى الليرة السورية، ولنتخيل أن خمسة عشر دولاراً سعراً لكتاب ما يساوي تقريباً 750 ليرة سورية»!. يضيف عيسى: «المعارض الخارجية هي من يشغل دور النشر اليوم، عملياً يمكن القول إن صاحب دار النشر يعمل بتصريف الدولار وليس بالنشر»!.
يقارن عيسى أسعار الدول العربية التي باتت تفضل الطباعة في سورية، وحال الرقابة مع ما يفضله الخارج من كتب تلقى الرواج الكبير، ليصل إلى النتيجة التالية: «حركة النشر ناشطة حالياً لأن البيع يتم للخارج ولأن الرقابة خفت قليلاً ويمكن إرسال الكتاب إلى الخارج، الناس تطبع من أجل الخارج وليس للسوق السورية المحلية، ويعيد عيسى انتعاش النشر إلى موضوع الارتفاع في سعر الدولار.. يقول: «دور النشر في انتعاش بسبب ارتفاع سعر الدولار، والحقيقة تؤكد أن أجرة الطباعة وسعر الدولار أرخص من السابق بكثير فقد كان سعر ماعون الورق ثلاثة عشر ألف ليرة أي 22 دولاراً، وسابقاً كان سعره 23 ـ 24 دولار، وهذا اليوم مبلغ كبير بالليرة السورية.. لبنان والأردن يجدون الأسعار رخيصة عندنا لذلك يفضلون الطباعة في سورية، ولنتذكر أن أفقر دار نشر يمكنها أن تبيع بألف دولار في المعرض الخارجي وهذا المبلغ كبير إذا ما قيس بالليرة السورية»!.
يرى البعض أن ما حدث في معرض أبو ظبي للكتاب مؤخراً، يعدّ مناسبة لفتح ملفات النشر السوري وهموم الكتاب على أكثر من صعيد بدءاً من العامل الاقتصادي المادي إلى التسويق للمعارض الخارجية ودور اتحاد الناشرين وصولاً إلى حال المؤلفين بحيث نصل إلى قواسم مشتركة تحفظ حقوق المؤلف والقارىء والناشر على حد سواء!.

print