لا تغيب عن الذاكرة تلك الصورة الرائعة لنساء الحي وهن يكنسن أمام منازلهن كل صباح ويصنعن حياً نظيفاً عملاً بقوة الإيمان، فكانت النظافة من الإيمان وكفى وهي القول الفصل، فهل ضعف الإيمان حتى تراجعت بيئتنا وأصابها تلوث بات يهدد المجتمعات في وجودها؟
هل تحتمل الأوساخ والزبالة التراكم لـ72 ساعة حتى يتم ترحيلها وريثما يكون هناك دوام رسمي لدى البلديات؟ وهل يعقل أن يعطل عمال النظافة في البلديات يومي العطلة الرسمية أسوة ببقية العاملين وما ينجم عنها من أكوام القمامة في زوايا الشوارع والحارات المهملة وحتى فوق الحاويات الموزعة في الأحياء؟ سؤال يستوجب المساءلة من قبل رؤساء الوحدات الإدارية والعاملين فيها.
قد يسأل البعض أو يعترض على كلامنا ويقول: إن من حق عامل النظافة عطلة اليومين.. وبدورنا نقول: إن القانون أجاز لكل العاملين في الدولة عطلة رسمية وفي الوقت عينه استثنى القانون في مواده بعض الجهات التي تقتضي طبيعة عملها الدوام على مدار الساعة، وأجاز لها عطلة رسمية بالتناوب فيما بين العاملين تنظمها إداراتها.. وباعتقادي أن ذلك يشمل قطاع النظافة حفاظاً على البيئة، حيث لاتحتمل «النظافة التأجيل» والإهمال والترهل من قبل الوحدات الإدارية ومجالس المدن والبلدات وبعيداً عن التجني فالواقع مؤلم حيث توّلي شطر وجهك تصطدم ويخدش حواسك منظر وروائح «الزبالة» والرمي العشوائي لها وتقصير الجهات المعنية في قمع هذه الظاهرة المؤذية على صعيد الصحة العامة للمجتمع والبيئة معاً. بالتأكيد، إن عدد العاملين في النظافة غير كاف وهي معاناة كل الوحدات الإدارية من دون استثناء إذ من غير المعقول أن عشرين عاملاً في النظافة يخدمون 500 ألف نسمة كما في بعض الوحدات الإدارية المكتظة بالسكان في الريف، وخصوصاً تلك التي شكلت ملاذاً آمناً للمهجرين مافاقم من وضع النظافة المتردي أصلاً وحتى عدد الآليات ونقصها وعجز تلك البلديات عن صيانة وإصلاح أعطالها الكثيرة لارتفاع تكاليفها وخصوصاً قدم وترهل أسطول النقل والترحيل ولا يخفى أيضاً تقصير البلديات ومجالس المدن في قمع مخالفات متعهدي البناء وتجاوزاتهم في ترك الأتربة ومواد البناء على الأرصفة وفي الشوارع والتقاعس في تنظيم الضبوط اللازمة في حقهم، كذلك ردع المخالفين بتطبيق أحكام قانون النظافة والمتابعة اليومية لموضوع التلوث البيئي من خلال تنظيم الحملات وأيام النظافة الطوعية بالتعاون مع المجتمع الأهلي والمنظمات الشعبية والجمعيات بكل أنواعها وبما يخلق مجتمعاً نظيفاً معافى صحياً، فالمسؤولية تعني الجميع من دون استثناء بالتوعية والتثقيف وإقامة الندوات وتفعيل البرامج التي تجعل من المواطن قدوة في التعاون والعمل بشكل إيجابي وعدم رمي القمامة إلا في الأماكن المخصصة لها ووفق الأوقات المحددة وبغير ذلك لا يمكن تجاوز تقصير وترهل الوحدات الإدارية والعاملين فيها للحفاظ على بيئة نظيفة طاردة لكل العوامل البيئية الضارة من الحشرات والزواحف والجرذان وحتى الكلاب الشاردة التي تجد في أكوام القمامة مرتعاً لها ومكاناً للتوالد والانتشار، تلك الظاهرة التي باتت تؤرق المجتمع في ظل عدم المكافحة.. ولنسر معاً نحو واقع بيئي نظيف بتعزيز ثقافة النظافة في كل مراحل التربية والتعليم وعلى مستوى الأسرة والمجتمع كونها مسؤلية الجميع على حدٍ سواء وذلك إنطلاقاً من أن قوة نظافة المجتمع من قوة إيمانه لذلك كانت النظافة من الإيمان المقولة الأساس في هذا الفعل الأخلاقي والاجتماعي.
ولنعد إلى تلك الصورة لأولئك النسوة التي كادت تغيب حتى من الذاكرة لنصنع مجتمعاً نظيفاً وهذا الأمر مسؤولية الجميع.

print