لا تخلو صحيفة يومية، أو مجلة شعبية، من مادة مختصة بقراءة الأبراج، أي الأبراج المنسوبة زوراً إلى علوم الفلك.. ومن باب الطرائف والمقارنة، يستحيل تطابق مادة زاوية (أبراج) مع أخرى في ثلاث صحف (على سبيل المثال) تصدر في مدينة واحدة، ويوم واحد، حتى ولو بنسبة 0.0001 والأمر لا يستحق النقاش، كما أنه ينطبق على سلسلة طويلة من أساليب التكهن بالغيب، ما يعني أن ثمة دجلاً في الأمر، وهذا يدركه العاقلون، وينطلي على سواهم!..
وأعترف أن لي تجارب قديمة، أيام الشباب، مع العرافين. ربما من باب الفضول، أو باب التسلية… ثم ما لبث النضج أن أنساني كل تلك الترهات، وأما ما بقي فهو بعض ذكريات عن جدتي (لأمي) وقد كانت قارئة فنجان من الطراز الرفيع، تجتمع النسوة عندها، ويشربن القهوة، ثم تقلب كل واحدة فنجانها على صحنه… وحين يقدمن الفناجين، وقد ارتسمت في قعورها وعلى جدرانها ممالك من غابات، وحكايات مطمورة، تروح جدتي تتمنع، وتعتذر، وتوصيهن بألا يصدقن لغو التبصير، فيلححن بأن الأمر للتسلية، وتحلية الجلسة!. وطبيعي أن (تبصير) جدتي كان يشيع فيهن السرور، وكيف لا، والقارئة، تعيش في قرية صغيرة، أسرارها معروفة للجميع، والجدة تُلِمّ بمن منهن ملهوفة لتزويج ابنتها، ومن لها قريب مسافر، تنظر إيابه، ثم يُنسى الكلام أغلبه بعد انتهاء الزيارة، أما إن تصادف وتحققت إحدى النبوءات من ضمن مئات منها لم تتحقق، فهي التي ستعطي قارئة الفنجان مصداقية وشهرة.
ومن مصادفات جدتي، أن جارات من حارة بعيدة جئن يزرنها، لمناسبة ما، وبالكاد كانت الجدة الخجولة تعرفهن، وكالعادة، حضرت فناجين القهوة، وشُرِبت، وقُلبت رأساً على عقب، وأُحرجت المضيفة، وراحت تسرد أيّ كلام لا يضر ولا ينفع، وقالت لإحدى الزائرات إن لديها غائباً طالت غيبته، وبعد سبع إشارات سيطرق غائبٌ بابكم، ويدخل.
وأما ما حدث، من باب المصادفة طبعاً، أن ثمة شاباً للعائلة غادر منزله مسافرا،ً وانقطعت أخباره عن أهله لسنوات، وإذ به يعود في الزمن المشوّش الذي حددته جدتي، وقد شاع الخبر في القرية الصغيرة، كما النار في الهشيم..
وما هي إلا أيام، حتى أتت ثلاث زائرات غريبات لم تكن جدتي تعرفهن، وشربن القهوة، ورحن يطلبن، ويتوسلن أن تقرأ لهن ما في خرائط المجهول، واعتذرت الجدة بشكل قاطع، لأنها تدرك أن الأمر لا يعدو كونه خزعبلات، إن أصابت، فهي تصيب مصادفة، وقد شعرت أن وراء هذا الإلحاح مشكلة ما، وسألتهن: ما الأمر؟.. فتلوّتْ كبرى الزائرات، ثم اعترفت على استحياء أن لديها حماراً خرج ليرعى في البرية القريبة، ولم يعُد!.
وكان جدي يسترق السمع، وما إن طرقت مسامعه حكاية الحمار، حتى هبَّ واقفاً، غاضباً، وألقى على جدتي (اليمين) بألا تعود لقراءة فناجين أحد.
والتزمت جدتي باليمين، لكنها ثابرت على قراءة فنجانها الصباحي، وما فيه من أحلام منسية.

print