للعصافير في ذاكرتي أكثر من وقفة خاطر فقد استطاعت هذه الفئة من الطيور التعشيش في وجداني بأكثر من صورة منها الجميلة ومنها ماأثار انزعاجي وأكثرها استطاع تحريض مشاعري وإثارة شفقتي..
أولى تلك الصور كانت لعصفور دخيل على قن بيت جدي، عصفور «يتكزدر» طوال النهار بين الدجاجات، يأكل من بقايا الحنطة المنثورة على أرض الدار، ومساء ينام تحت الأرجل كما لو كان صوصاً لايتقن الطيران، وخنوعه لم تكن له حدود فقد ثابر على دخول القن رغم «تلطيش» قط جدتي المروض به وهو يرميه يميناً ويساراً بعدة ضربات تلفظه أخيراً داخل القن، لقد كان العصفور الذليل بامتياز رغم ثروة الحقول الممتلئة الخيرات.
أما العصفور الثاني الذي استثمر خاطري بمشاعر شفقة آنية فقد كان العصفور الضحية نتيجة حمقه وهو الصريع على زجاج سيارتنا المسرعة على الأوتوستراد، وهو الأرعن الذي ترك الفضاء واستعمر خط سيرنا بكل غباء فارتطم مكسور الجناح على ناصية طريقنا من دون حراك وأنا أصرخ مفجوعة لمصرع العصفور الطائر، بينما طفلي يهدئ من وجعي قائلاً: الطريق طريقنا يا أمي وهو له السماء.. تنفست لتسويغ طفلي الصعداء وأنا أقول: بعض العصافير لايليق بها فعل التحليق والطيران.
أما عصفور خاطري الأخير فقد كان من نوع آخر، لاأجنحة له لكنه يتقاطع والعصافير ببعض الصفات كأن يكون لقمة سهلة للاصطياد، وهو المسافر بمشيئة الحال والترحال بين المحافظات ليدفع ضريبة تحليقه بالوقوع في شبكة «ترفيق» تحت شعار حمايته واستثمار مايحمله في حويصلته من حبوب وبذار!

print