حين اتفقت بريطانيا وفرنسا، الدولتان الاستعماريتان على تقسيم واقتسام الوطن العربي بعد إزاحة سيطرة الدولة العثمانية عنه في اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916 لم تكشف الدولتان عن هذه الاتفاقية وحافظتا على سريتها بينهما، وعندما جرى الكشف عنها عام 1917 في أعقاب الثورة البلشفية ضد قيصر روسيا الذي كان أحد الموقّعين عليها لم يثر الشريف حسين وأبناؤه على بريطانيا وفرنسا، وهم الذين وعدتهم بريطانيا بتتويج والدهم ملكاً على العرب إذا شاركوا في تجنيد العرب لمقاتلة الجيش العثماني لمصلحة بريطانيا وفرنسا، وفي نهاية الحرب العالمية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية استمر إبنا الشريف حسين فيصل وعبد الله في العمل لمصلحة الاستعمار البريطاني وأصبح فيصل ملكاً على العراق مقابل موافقته على إعطاء فلسطين للحركة الصهيونية في اتفاقية وقّعها مع حاييم وايزمان رئيس الحركة الصهيونية عام 1919 بعد سنتين على وعد بلفور البريطاني المشؤوم لكن الشعب العراقي وحركة تحرره القومية تمكنت عام 1958 من إسقاط النظام الملكي في العراق وإنهاء وجود العائلة المالكة، وفي المقابل بقي بنو سعود منذ تحالفهم مع الاستعمار البريطاني على رأس الحكم إلى أن قررت الولايات المتحدة أن تتولى وراثة هذه المستعمرة البريطانية.
وبعد أسبوع أو أكثر سيقوم ترامب بعقد قمة أميركية–سعودية يجمع فيها أيضاً رؤساء وملوكاً عرباً في ظروف عربية غير مسبوقة في تاريخ هذه الأمة. ظروف ظهرت فيها علناً خطط إسرائيلية وأميركية علنية تهدف إلى إعادة تقسيم المنطقة واقتسامها بين تل أبيب وواشنطن بطريقة تستكمل فيها «إسرائيل» مشروعها الاستيطاني التوسعي على حساب ما تبقى من فلسطين وعلى حساب الجوار الفلسطيني في سورية ومصر والأردن ولبنان، والجميع يتحدث الآن في الغرب وفي واشنطن عن وعد سعودي يشبه وعد فيصل لحاييم وايزمان بتسهيل التوسع الإسرائيلي عن طريق تصفية حقوق الفلسطينيين في وطنهم المحتل.
لكن التاريخ لن يسمح له هذه المرة بأن يعيد نفسه ويجعل شبه الجزيرة العربية هي مقر وجسر المخططات الاستعمارية، ففي عهد فيصل قبل قرن لم تكن قد تبلورت قوة حركة تحرر عربية تتصدر الدفاع عن حقوق هذه الأمة في وطنها التاريخي.
أما اليوم فهناك قوة إقليمية كبرى تشكّلها سورية والمقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية وحركة المقاومة اليمنية المستمرة والجمهورية الإسلامية الإيرانية تتصدى لهذه المخططات التي نجح الجيش العربي السوري وحلفاؤه في صدها في سورية ولبنان ولا يزال العراق بكل قدراته يتصدى لمخططات التقسيم والتفتيت، وهذه الأطراف هي التي حملت تاريخ هذه الأمة بكل ما حققته عبر القرون فدمشق وبغداد وطهران ستظل عصية على الأعداء ولن ينال المتآمرون مع الغرب سوى مصير عملاء بريطانيا وفرنسا نفسه الذين هزموا على يد حركة التحرر العربية من الجزائر إلى تونس إلى العراق وسورية ولبنان.

print