بقدر ما شكلت الحملة الانتخابية الرئاسية لدونالد ترامب حالة جدلية واسعة تضمنت كثيراً من التعليقات والتحليلات والتخوف من وصوله إلى سدة الرئاسة الأمريكية، نظراً لعدم خبرته السياسية الواسعة وعدم ضبط تصرفاته الاستفزازية التي ظهرت قبل وبعد فوزه، الأمر الذي أكدته تلك التوقعات خصوصاً بعد مضي مئة يوم على وجوده في رئاسة الإدارة الأمريكية.. وفي هذا السياق تحدثت صحيفة نيويورك تايمز عن جنوح الرئيس ترامب لعسكرة أزمات العالم والعودة إلى منطق عهد البوشية أو ما يعرف بمنطق القوة وتهميش الحلول السياسية.
من هنا وفي هذا السياق تأتي زيارة الرئيس ترامب للمنطقة التي تعد الجولة الأولى له خارج الولايات المتحدة الأمريكية بعد الرئاسة والتي تحمل في جعبتها ملفات عديدة سياسية واقتصادية وعسكرية وترتيب أوضاع المنطقة بمواصفات أمريكية إسرائيلية من دون اعتبار لما تريده دويلات الخليج والتابعة لفلك واشنطن، حيث ستكون السعودية مملكة الرمال المتحركة المحطة الأولى له ليس بسبب «مكانتها الدينية أو السياسية» وإنما لأنها تستطيع دفع الثمن والرسوم المطلوبة منها لا أكثر ولا أقل وهي تستقبله بسلسلة تعهدات ومشاريع واستثمارات اقتصادية هائلة تصب في البنية التحتية الأمريكية قد تصل إلى /40/ مليار دولار وصفقات أسلحة تبدأ قيمتها بـِ/100/ مليار دولار لتصل في نهاية الأمر إلى /300/ مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة، هذه الصفقة لن تمس «التفوق» العسكري الإسرائيلي لكون أمريكا حريصة على استمرار «تفوقها» ويعود الفضل في ذلك إلى ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وكوشنير مستشار وصهر الرئيس ترامب الذي لعب دوراً كبيراً وحاسماً في تنسيق تلك الصفقة وهذا ليس مستغرباً.
وكلنا نذكر عندما أطلق الرئيس ترامب خلال حملته الانتخابية على السعودية لقب (البقرة الحلوب) مطالباً إياها وبقية دول الخليج بدفع ثمن الحماية الأمريكية وها هو اليوم ينفذ تلك الاستراتيجية التي رسمها مسبقاً وبترحيب ورضا الرياض التي لا تطيق أن تكون يوماً خارج تلك الحماية التي تكفل لها ممارسة أعمالها الإرهابية الوهابية ومواصلة عدوانها على دول الجوار كاليمن وغيرها.. وحسب المصادر التي تتابع زيارة الرئيس ترامب للمنطقة فإن السعودية التي حشدت أنظمة دول عربية وإسلامية لحضور لقاء قمة ترامب تسعى في الوقت نفسه لإسقاط التهمة عن عنصرية ترامب تجـــــــــاه الإسـلام والمسلمين وتتويجــــه «زعيماً »لتحالف بضم هذه الدول المدعوة. والرئيس ترامب الذي كان واضحاً بقوله علناً إنه يخطط لابتزاز دول مجلس التعاون الخليجي وإجبارها على الدفع بسخاء مقابل توفير الحماية الأمريكية لها، ليس مستغرباً أن يسعى هو أيضاً إلى تشكيل «ناتو» عربي أمريكي إسرائيلي يصب في مصلحة «إسرائيل»، على اعتبار أن هذا الاصطفاف من قبل معظم دول الخليج وغيرها يحقق تعديل المعادلة من العدو إلى الصديق وربما الشقيق، تبعاً للقرار الأمريكي والسير خلفه بما يتوافق مع الرغبة الإسرائيلية التي تسعى لتكون شقيقاً (حسب تصريحات نتنياهو) وشريكاً على الطاولة العربية ومن دون الحاجة إلى الغرف المغلقة وتالياً يمكن لهذا التحالف المساهمة في إنهاء الصراع العربي الصهيوني وتصفية القضية الفلسطينية ومواجهة محور روسيا – إيران ودول المقاومة في المنطقة.
وليس مستغرباً أن يفعل ترامب أي شيء مقابل المال والنفط السعودي وحسب صحيفة «فايننشال تايمز» الأمريكية فإنه في ظل انعدام الخيارات لدى واشنطن و«اسرائيل» والسعودية لضرب إيران على نحو مباشر قد تلجأ واشنطن إلى منح «اسرائيل» الضوء الأخضر لشن حرب ضد حزب الله وتشجيع السعودية على «نقل المعركة إلى داخل إيران» حسب قول ولي ولي العهد السعودي المعتوه محمد ابن سلمان- ولكون إيران عدواً افتراضياً تستخدمه إدارة ترامب فزاعة لجلب الأموال الخليجية- من هنا يمكن القول إن السعودية التي تحتفي بترامب لم يكن ذلك خارج سياق الدور المشترك بينهما على اعتبار أن النظام السعودي والولايات المتحدة الأمريكية هما الداعمان الرئيسان للتنظيمات الإرهابية الوهابية التكفيرية في سورية والمنطقة عبر تقديمهما المال والسلاح وتوفيرهما غطاء سياسياً لهم وإنشاء معسكرات لتدريبهم في تركيا والأردن وغيرهما.
لقد اتضح مشهد زيارة الرئيس دونالد ترامب لكل من السعودية و«اسرائيل» فيما بعد، إذاً ستكون حصيلة الزيارة قبض المليارات لواشنطن والقوة والتوسع والتطبيع لـ «اسرائيل« والضياع والتصفية لقضية فلسطين وتهديد مدينة القدس، في حين ملايين العرب قد يشردون ويقتلون على يد الإرهاب الدولي الوهابي المنظم تحت ذريعة «الربيع» الدامي. بينما يبقى ملوك الطوائف الخليجية ومن لف لفهم يتاجرون في السياسة والدين.
كاتب فلسطيني

print