واصلت سورية صمودها الكبير الذي لا يوزن إلاّ بمعيار الوقائع التّاريخية الوازنة، فتهاوت كلّ المشاريع المختبئة خلف أيقونة مزيّفة في مشهد عربي مأزوم، اسمها «الربيع العربي». أمام هذه الأكذوبة انقلبت كل منظومات الفكر والقيم. لم يعد أحد يحمل القناعة نفسها «بربيع مستربع» على حساب منطق السياسة والأشياء. هنا «الثّورة» باتت بنت حرام فاقدة للبوصلة، في عصر أصبح الاحتلال والرجعية يصفان نفسيهما « بآباء الثورة الجديدة». ولقد كان ذلك هو حقّاً ما جرى، فالذي رعى هذا «الربيع المستربع» كان هو «النّاتو» والرجعية. ليس هذا بممتنع عن الفهم، فسيرورة الأحداث كفيلة بتغيير الرأي العام الرازح تحت مشاعر ملتبسة. لكن المشكلة تتعلّق بالتباس مواقف بعض الذين يعتبرون أنفسهم «ما زالوا على وفاء للميثاق القومي».
على مدار 5 سنوات من الحرب الضروس على سورية ماذا يا ترى قدّم المؤتمر القومي العربي للقضية السورية؟ لا شكّ في أنّ الدورة الأخيرة في بيروت لن تكون مختلفة عن دوراته زمن المحنة السورية من حيث أنّها ستذكّرنا بالبديهي: فلسطين هي القضية العربية الأولى. وهذا ليس جديداً بل هو في سياق ما تواجهه الأمّة ما شكل من الخداع لإهمال قضايا عربية هي اليوم تعيش فوق لهيب النار بسبب فلسطين. فحينما نقف مع سورية إنّما نقف مع فلسطين، فالحديث عن الأولويات هنا مماحكة تستند إلى مغالطة التذكير بالبديهي. أي قيمة لمؤتمر لا يستطيع أن يخرج في بيانه الختامي بموقف تضامني صريح مع سورية قيادةً وشعباً وجيشاً في مواجهة العدوان، وأي قيمة لقمّة إذا هي ما زالت حتى في عاصمة المقاومة عاجزة عن أن تخرج بتصريح صريح للتضامن مع قائد التّحدي الكبير للمشروع الصهيوني في المنطقة العربية السيد الرئيس بشّار الأسد؟ وأي قيمة لمؤتمر لا يخرج بقرار القطيعة مع كل الذين يساهمون في الحرب على سورية بما فيهم تنظيما «العدالة والتنمية» و«العدل والإحسان» في المغرب؟ بعض من هؤلاء يبيعون الوهم للرأي العام، وبعضهم سبق أن صرّح بأنّ ما يجمعهم «بالإخوان» عندنا هو أكبر من سورية، وبعضهم وقف مع منسقي ما يسمى «الجيش الحر»، وآخرون انتظروا «سقوط» سورية ليحبكوا مع «الإخوان» تنسيقية على« أطلال سورية» التي تفزعهم ولا يملكون إلاّ أن يبوحوا في كواليسهم بمواقف عدائية. أما خبائث كواليسهم فهي كاملة لدينا، وتحالفهم مع «الإخوان» بشرط ألا يكون لهم موقف لنصرة سورية نصراً يشبه على الأقل خرجاتهم المليونية غداة غزو العراق، أمر واضح. لم يعد يكفي الحياد أو الحديث عن العمل على إيجاد حلّ توافقي، فالموقف يتطلب تضامناً مع المقاومة السورية وليس الموقف الدبلوماسي الذي لا يستحضرونه إلا عندما يتعلق الأمر بسورية. إنّهم يتحالفون مع من يهاجم قادة المقاومة، بل يتحالفون مع أنصار«جبهة النصرة» ممن دخلوا سورية من غير أبوابها في إدلب ودير الزور تضامناً مع «الجيش الحر» والفصائل الأخرى. وكان السؤال البديهي هنا: لماذا تتحالفون مع من يتآمر على سورية مهما حاول بعضهم أن يلعب على الخطاب المزدوج. إنّ كواليس «قومجيتنا» تنضح بالكراهية لسورية، وأحضانهم مفتوحة لخصومها، بل تنسيقهم مستمر، لذلك نعذرهم إن كانوا عاجزين عن الخروج بمواقف واضحة وصريحة بخصوص سورية: مواقف ممتنعة لأنها تخسرهم العلاقة مع تيارات «الإخوان» ومع الرجعية. ومع ذلك أحبّ أن أذكّر من ينافق سورية هروباً من مواقف شجاعة وحقيقية، إنّ سورية انتصرت، وما يجري اليوم هو حرب استنزاف للتشويش عليها ومزيد من الضغط على المنطقة برمتها، فلا قيمة إذاً لقمة الجامعة العربية ولا حتى قمم المؤتمر القومي إذا لم تخرج ببيان حقيقي يسمّي الأشياء بأسمائها، ويشرّف بياناته بتضامن صريح مع سورية: الشعب ، الجيش، الرئيس الأسد…
كاتب مغربي

print