منذ كذبت عليه أوّل مرّة وقالت له: أنا بخير، واصلَت الكذب في اتّجاه واحد، مع هبوب كلّ ريحٍ وكلّ خبر!.
كانت حزينةً جدّاً على شجرة الإجاص غير الأنيقة في حديقة الجيران، وحين أخرجتها القذائف وحشرجات «الله أكبر» من بيتها، لم تعد، للغرابة، تتذكّر إلا تلك الشّجرة الكامدة التي لا جمال في أزهارها، ينافس اللّوز والمشمش والجلّنار، لكنّها، حين فُرّقَ بينهما أدركت أنّها كانت ساعتَها الكونيّة التي تضبط مواقيت الفصول، ففي برهة من العمر عاشتها بآلام مبرّحة قالت لها الشّجرة ذاتها: لقد أزهرْتُ وأثْمَرْتُ وعرّاني الشّتاء خمس مرّاتٍ وشبّاكك مغلق، صامت لم ينفسحْ بينها وبينه وقت لتحدّثه عن هذه التفصيلة من بين آلاف التّفاصيل التي تحاصرها، رغم أنّه يعيش معها على مدار السّاعة وهو بعيدٌ وقلِق، فمن العسير أن تضعها في سياق حين يتّصل للاطمئنان عليها، ومن السّهل أن تدوم لعبة الكذب فهي لا تعيش في كرة بلّوريّة وكلّ الأخبار تصله، ربّما قبل أن تسمع بحصولها!.
عمّ الخراب أحياءً، كانت مدن سحْرٍ تستكشفها كل ساعة! حفظَت أرصفتها، بتعدّي الدّكاكين عليها، والبسطات التي، في فوضاها وقطعها وألوانها أياد بشريّة تنتزع رزقَها من الصّخر، والانهدامَ المفاجئ للوح حَجَرٍ انزلق فوق الإسفلت ومازال منسيّاً منذ سنوات! حفظَت حتى روائح الدّكاكين تميِّزُ واحداً عن الآخر كرائحة الملابس الشخصيّة! بائع المكسّرات التي تفوح برائحة البهار والقرفة! وبائع الجبن الذي شزرها بنظرة استنكار حين قالت له إنّ في الجبن طعمَ مسحوقِ غسيل فيه عطر زنبق!

كانت تسلّم نفسها لكلّ هذا الصّخب البلديّ وهي تتسوّق قبل أن تكتشف دائماً أنّها عاجزة عن العودة بأحمالها الثّقيلة! لم تخبرْه بالخراب الذي أحدثوه وصار يبعث بريحٍ يجثم على الصّدر والأنفاس ويطمس الذّاكرة: أنا بخير!.
عسيرةٌ هي التّفاصيل إذا فكّرت بسردها، ولن تفكّر! لا جدوى! لا فائدة!
تقف قرب الحاجز الترابيّ المنافي للمنطق وهي تحاول هندسة المكان في ذاكرتها واستعادة المداخل الضّائعة وعربات الباعة الجوّالين وأقفاص الكناري على الشّرفات فتفاجئها رائحة كجنّيّة الحذاء الماسيّ لطفلة المطبخ البائسة! تسأل الجنديّ الواقف قربها: – أكاسيا؟ فيبتسم: – أزهرت شجرة الأكاسيا هناك! تعُبُّ الرائحة لتوصلها إلى حويصلات قصَباتها.. فيسري سُكْرٌ خفيف يجعل حتى سلاميّاتِ أصابعها، دافئة! ثم تأتيها رشقةُ عطرٍ تستقرّ بلمح البصر في حلقها: – رائحة إكليل الجبل؟ يبتسم ويده في حوض عميق مرتَجَل أمام المحْرَس: – أزهر منذ أيّام. تستسيغينه مع المتّة؟ – أين أنا؟ رائحة ياسمين! رائحة زهر الليمون! رائحة نعناع! قل لي هل لذلك الزهر البنفسجيّ على المظلّة الوارفة، رائحة؟ – إذا اقتربتِ منه، نعم!
إنه زهر الزنزلخت! – كلُّ هذا مع رائحة القهوة النفّاذة المتدفّقة من المحمصة المخبّأة وراء المنعطف؟.
نهضت الشوارع الميّتة من أكفانها وتماوجت سحب العطور، تُزيل الغبار والأسى، وشعشع الأثير بأضواء رأتها في عينيه، حديقتي العسل الأشهب والحبَق الأخضر: – ما أحلى شوارعنا! قالها وهو يقدّم لها الكأس الساخن ولم يَدُرْ في خلَدِه قَطّ أنها صارت أكثر ثقةً وأكثر صدقاً وتلقائيّة حين ستقول له كلّما اتصل: أنا بخير.. صدّقني أنا بخير!.

print