ثلاثة وعشرون مليون شاعر تم اكتشافهم مؤخراً، هؤلاء سوريون يختبئون خلف حيوات ظاهرية، يمارسون يوميات مكرّرة، يتجاهلون معظم ما تقوله نشرات الأخبار ويدركون أنهم وحدهم من يعيشون الحرب ويكتبونها.
لا يتوقف هاجس الكتابة عند معناها الأولي، إذ يتكئ عليه البعض، ليقول ما لديه على شكل «قصيدة»، يبدو هذا أكثر جاذبية وإغراء من مجرد «الفضفضة»، بالطبع أكثر سهولة أيضاً لراغبي النشر، وما يعنيه ذلك ضمنياً من شهرة محتملة، حتى فاقت أعداد الشعراء على صفحات الفيسبوك، ما يمكن تقبله، عدد منهم تجاوز معجبي العالم الافتراضي ليؤسس مجموعات ثقافية كما تدعو نفسها، تتبادل قراءة ما لديها من قصائد، كمن يحدث نفسه، ليسأل ويجيب!.
تحت مسمى «الحداثة والتجريب»، لم تتردد وفرة من شعراء اليوم في التأليف والتقليد والترجمة، من دون أن ننسى محبي النسخ واللصق وسارقي كلمات الآخرين، ومن يؤمنون حقاً بجمالية ما يكتبونه واختلافه… تتبدى الإشكالية من زاوية أخرى، عند من هم كذلك فعلاً، ولا سيما أن قارئي الشعر الفيسبوكي، أشبه بكاتبيه، هنا تصبح الحاجة للبحث عن منابر أخرى، أكثر إلحاحاً، وهو ما حاول الملتقى الشعري المقام ضمن ملتقيات دمشق الثقافية في المركز الثقافي ـ أبو رمانة، القيام به، معتمداً المسمى ذاته في الشعر السوري الشاب، عبر إتاحته الفرصة لـعدد من الشعراء «بيسان أبو خالد، ليزا خضر، قاسم فرحات، علي الدندح، غدير إسماعيل»، لإلقاء قصائدهم أمام جمهور من نوع آخر، ليسوا نقاداً أو شعراء، لكنهم أكثر أهلية لإبداء رأي فيما يصلهم من صاحب القصيدة، أو فيما هو قادر على إيصاله.
يؤمن الشاعر المشرف على الملتقى صقر عليشي أن المستويات المتدنية للقصيدة والأشكال المختلطة للكتابة الأدبية، تبدو طبيعية في الشعر الحديث، المختلف عما عرفناه وقرأناه في المناهج المدرسية، لناحية «الأسلوب، المضمون، الصياغة»، يمكن أيضاً أن يتبدى عند البعض كأنه «ليس شعراً». وعليه كان اختيار الأسماء الشابة المشاركة.. سبق أن قرأ عليشي لهم، وأُعجب بما لديهم، وبما يمكن أن يكونوا عليه مستقبلاً، فالأمر جدي على حد قوله، لا مكان للمجاملات والصداقات وأجواء المحاباة.
الشباب المشاركون استحوذوا انتباه الحاضرين، كان هذا واضحاً في حالة الإنصات العامة، الكل تغريه توليفة الكلمات، كأن قصيدةً أخرى تختبئ خلف ما يقال، ربما هي التي يجدها كلٌ منا في نفسه، ويدرك في لحظة ما أنه شاعر أيضاً، لا ينقصه إلا بعض الحظ!. أجمل ما في الأمر هي الخصوصية التي رافقت كلاً منهم، في حكايته عن الحب والحرب، بعيداً عن السائد في تشابه النصوص كما لو كانت أعمالاً تجريدية لا تحكمها ضوابط، وإن كان ذلك مفهوماً عند عليشي، فالشعراء المتميزون قلة، لكن لا بد أن يظهر أصحاب الحضور، القادرون على الاستمرارية والخلود، هناك أيضاً شعراء في الظل، غير معروفين رغم إمكاناتهم. يذكرنا الشاعر بأن الملتقى لا يبحث عن الهواة ومن يتسلون بالكتابة، هو معني بالجادين، من تأخذ القصيدة وقتهم، لذا كان تفرّد كل منهم واضحاً، عبر الصور الجديدة في قصيدة النثر ونظيرتها الموزونة، أحياناً في محاولات إضافة الجدة في التراكيب، بالطبع هذه وجهة نظر وليست الأخيرة أو الوحيدة، ولا تعني حكماً مباشراً على تجاربهم غير المكتملة بعد.
ما يحلم به أي شاعر أو مبدع، في الشهرة أو على الأقل تداول اسمه إعلامياً، أمر مفهوم، لا ينفصل عن الحاجة لمنابر حقيقية ودعم فعلي للشباب يضمن لهم التقدم خطوة في عالم القصيدة، ويضعهم وجهاً لوجه أمام مستمع قادر على الامتعاض أمام التعابير المكررة أو مغادرة المكان رداً على قصيدة مدججة بالخواء، ربما ستنخفض حينها أعداد الشعراء الافتراضيين، ليكتفي أولئك بالكتابة لجمهور الأصدقاء والرد على تعليقاتهم.

print