منظمات وجماعات عديدة عملت المخابرات الغربية والأمريكية على إنشائها لتنفذ مهمات محددة حسب الطلب، وتقوم بإطلاق تسميات ملتبسة عليها مثل «بلاك ووتر» و«فرسان الهيكل» و«أطباء بلا حدود» و«الخوذ البيضاء»، وفي الغالب تكون مهامها الحقيقية مغايرة للدعاية الإعلامية البراقة عنها والمثال الساطع هذه الأيام عن تلك المنظمات هو جماعة أو منظمة «الخوذ البيضاء» التي أنشئت قبل أربع سنوات في سورية وهي تعمل شكليّاً كمنظمة «تطوعية إنسانية لإسعاف السكان» وتدّعي «الحياد وعدم التحيز» كما تعلن عن نفسها، لكن أضحى معروفاً أن استخبارات الولايات المتحدة هي التي أنشأتها وأحاطتها بهالة دعائية «إنسانية» كبيرة توجتها بترشيحها مؤخراً لجائزة نوبل للسلام.
ولعل إلقاء نظرة سريعة على نشأة هذه الجماعة تبيّن ارتباطاتها والخدمات التي تقدمها لمشغليها حيث تشير مصادر مطلعة إلى أنها تأسست، في عام 2013 وتطلق عليها تسمية «الدفاع المدني السوري»، وغالباً ما تكون أول المستجيبين الموجودين فقط في حالات الطوارئ في المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون في سورية، ويدّعي أعضاؤها «أنهم أنقذوا أرواح الكثيرين».. وتقول رواية وسائل الإعلام الغربية: إن فريق «الخوذ البيضاء» يتكون من خبازين سابقين وبنائين وسائقي سيارات أجرة، وطلاب، ومعلمين، وإلى حد كبير من كل شيء عدا عمال الإنقاذ.
ووفقاً لمعلومات موثقة، فإن مؤسس «الخوذ البيضاء» هو جيمس لو ميجرر، الذي تخرج في النخبة الأكاديمية العسكرية الملكية البريطانية في ساندهيرست، والضابط السابق في الاستخبارات العسكرية البريطانية، وقد شارك في عدد من مسارح حرب «التدخل الإنساني» الأخرى التابعة لـ «ناتو»، بما في ذلك البوسنة وكوسوفو والعراق، فضلا ًعن مهمات في لبنان وفلسطين، كما تولى أيضاً عدداً من المناصب رفيعة المستوى في الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ووزارة الخارجية البريطانية وشؤون الكومنولث. ناهيك بعلاقاته التي تربطه بـ «بلاك ووتر» سيئة السمعة.
إنه ليس من الصعب التكهن بأن «الخوذ البيضاء» ليست أول المستجيبين على الإطلاق، إلا عندما يطلب من أعضائها ارتداء القبعات البيضاء لصورة مخطط لها، أو فيديو ترويجي، أو لإنتاج الدعاية الإخبارية الغربية لأمثال «سي إن إن» أو الـ «بي بي سي»، لأفلامهم الحاضرة دائماً والطاقم الإعلامي وقد تم الدفع لهم ليقدموا أنفسهم كأول مستجيبين «محترمين» عند الحاجة لتقارير عن سورية.
وتختص «الخوذ البيضاء»، وفق المعلن عنها، في «البحث والإنقاذ» في المناطق الحضرية في حرب الاستعانة بالمصادر الخارجية، وهي نوع من العمليات الاستخباراتية الخاصة التي تجسدت بـ أمثال «بلاك ووتر» (التي تعرف الآن باسم أكاديمي) وداين كورب، وغيرها من موردي المرتزقة المعروفين عالمياً وخبراء وكالة الاستخبارات المركزية المعنيين بالاغتيالات وقد أعطت إدارة العمليات في وكالة الاستخبارات المركزية عبر شركة بلاك ووتر السلطة ليكون لديها أناس خطفوا أو قتلوا، من دون وجود مسؤول حكومي محدد.
من الواضح أن هؤلاء المزيفين ليسوا أكثر من إرهابيين من وكلاء الحرب أنشأها «ناتو» بقبعات بيضاء، حصراً في الأجزاء التي يسيطر عليها الإرهابيون وبتسميات زائفة «أهلية» و«غير الحكومية» لتعطيهم صفة «الحيادية والاستقلالية» وتبالغ الدعايات الغربية في توصيف أعمالهم وتعطيهم ألقاب «السوبر مانات» وتقول إن «أصحاب الخوذات البيضاء يتسلقون جدران المباني المنهارة بشكل روتيني، ويتدافعون فوق أنقاض المباني المشتعلة ليقوموا بالحفر بأيديهم العارية لإخراج طفل من تحت الأنقاض»! وبطبيعة الحال، مع وجود طاقم تصوير كبير وهاتف محمول يكون مع الوفد المرافق.
لقد افتضح أمر هذه المنظمة مرات عديدة بسبب نشرها أكاذيب في شهر أيلول من العام الماضي، حيث قامت بتلفيق الصور التي حاولت بوساطتها إقناع الرأي العام العالمي بأن «الطيران الحربي الروسي قصف الأحياء السكنية» في سورية، لكن، وكما اتضح لاحقاً، فإن هذه الصور أخذت في فلسطين قبل أسبوع من بدء عملية القوة الجوية الفضائية الروسية في سورية.
وهذه ليست أول حالة من هذا القبيل، ففي تشرين الأول عام 2015، بعد أن بدأت روسيا شن غارات جوية على تنظيم «داعش» في سورية، بدأت تظهر صور تزعم أنها دمرت منازل المدنيين، وحينها نشرت منظمة «الخوذ البيضاء» على «تويتر» صورة لفتاة مصابة، وكتبت: «اليوم، روسيا شنت غارة على حمص، وقتلت 33 مدنياً من بينهم ثلاثة أطفال»، ولكن سرعان ما اكتشف رواد مواقع التواصل الاجتماعي أن الصورة التقطت قبل ثلاثة أيام من بدء العملية الروسية.
والفضيحة الأكبر كانت بفبركة حادثة الكيماوي في خان شيخون مطلع شهر نيسان وكان هدفها الفاقع أن يقوم ترامب بعدوانه الصاروخي على مطار الشعيرات من أجل استعراض عضلاته العسكرية وفرض هيبته المهزوزة داخلياً وخارجياً، إلا أنه سرعان ما افتضحت هذه العملية وتم تفنيد هذا التلفيق من أوساط دولية مختلفة منها :
– توصل الخبراء السويديون إلى أن «المنقذين» يقومون بحقن الطفل بالأدرينالين في منطقة القلب بوساطة حقنة ذات إبرة طويلة، مع العلم أن الإسعاف الأولي لمصابي الهجوم الكيميائي لا يتم بهذه الطريقة، إضافة إلى ذلك لم يتم الضغط على مؤخرة الحقنة في مقطع الفيديو المسجل وهذا يعني أنهم لم يقوموا بحقن الطفل بالدواء.
– قال «الهاكر» الماليزي جازتركس على تدوينته : قررت أن أطلعكم على رسالة واحدة من زعيم «الخوذات البيضاء» مصطفى الحاج يوسف إلى الصحفي المعارض السوري صقر خضر يبدو كما لو أنهم كانوا يعرفون مسبقاً عن الأحداث التي وقعت يوم 4 نيسان في خان شيخون. ويبدو أن الهجوم الكيميائي في محافظة إدلب كان معداً بشكل جيد في نهاية المطاف قام خضر بعمل جميع الصور اللازمة و«الخوذ البيضاء» استخدمتها بكفاءة لتضليل المجتمع الدولي.
– الصحفي السوري عباس جمعة، كشف كذبة منظمة «الخوذ البيضاء» التابعة للولايات المتحدة في سورية، حيث نشرت المنظمة صوراً تزعم فيها أنها تقوم بـ «إنقاذ» السكان المدنيين في سورية، وقد وثق جمعة ثلاث صور منشورة لفتاة واحدة تم التقاطها من أماكن مختلفة وكتب على صفحته تويتر: «الممثلون في «الخوذ البيضاء» ينقذون الفتاة نفسها في ثلاثة أماكن مختلفة: فهل فعلا لا يوجد في سورية أفلام جيدة التصوير؟».
– وزارة الدفاع الروسية تعلن أنه لا أدلة على وقوع هجوم كيميائي على منطقة خان شيخون سوى شريطَيْن مصوَّرَيْن لـ «القبعات البيضاء» وتشير إلى أنه لم يطلب أحد الترياق لمعالجة «مصابين» مزعومين، وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية اللواء إيغور كوناشينكوف إنّ الأدلة الوحيدة التي قُدّمت لإثبات وقوع هجوم كيميائي على منطقة خان شيخون السورية هي شريطَان مصوَّرَان لـ «القبعات البيضاء»، ولم يتم تقديم أي أدلّة أخرى، وختم المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية كلامه بالقول: أضحى واضحاً، كما هي الحال في العراق وليبيا، أنه لا توجد أي خطط لإجراء تحقيق مهني في خان شيخون.
لقد أطلقت شبكة «نيتفليكس» العملاقة مؤخراً فيلماً وثائقياً يهدف إلى رفع فريق «الخوذات البيضاء» إلى مستوى نجوم هوليوود في ديماغوجية على غرار شارع ماديسون، وما يثير الاهتمام أن يصادف أن يكون أحد المساهمين الرئيسين في «نيتفليكس» مركزاً استثمارياً لرأس المال العالمي، من زبائنه عدد من نجوم المجمع الصناعي العسكري مثل لوكهيد مارتن وبوينغ.
والفضيحة الأكبر فيما يتعلق بالجوائز الأخيرة، بما في ذلك الترشيح المستهجن للحصول على جائزة نوبل للسلام، التي تم منحها لهذه المجموعة من قبل الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي الداعم للطابور الخامس، بأكثر من 60 مليون دولار قدمتها الوكالة الأمريكية للتنمية، الجيب الخلفي لوزارة الخارجية في المملكة المتحدة ومختلف دول الاتحاد الأوروبي مثل هولندا، ربما تكون هذه المجموعة واحدة من أكثر الهيئات تكريماً وتمويلاً ضمن مجموعة المنظمات غير الحكومية المناهضة لسورية في الغرب، التي هي جزء محوري من بناء شركة «دولة الظل» السرية داخل سورية.
وماذا بعد أن انكشف أمر المنظمة «الإنسانية» المزيفة المسماة «الخوذ البيضاء» وفاحت رائحة أفعالها المشينة السوداء، هل تستمر الولايات المتحدة وحلفاؤها في استخدامها، أم تنتقل إلى تشكيل تنظيمات جديدة تحمل أسماء أخرى وبقفازات وأقنعة «إنسانية»، ولكن بالأفعال المشينة المجرمة ذاتها.
tu.saqr@gmail.com

print