«لم يسترحم عمر أبو ريشة بكبريائه امرأة ولم يطلب منها البقاء يوماً على عكس نزار قباني»!. هكذا بدأ الدّكتور إسماعيل مروة مدير ندوة الأربعاء الثقافية الشهرية الخامسة التي تقيمها وزارة الثقافة، ورأي لم يؤيّده الدكتور غسان غنيم، يقول: المرأة بداية شرارة الإبداع والتوهّج الذي يؤدّي إلى اتّصال الشّعراء بربات الشّعر، وعمر أبو ريشة منهم، كانت المرأة تستولي على مساحة كبيرة منه، في ديوانه 132 قصيدة منها 72 يتحدث فيها عن المرأة، لكنه لم يتحدث عنها كحبيبة تشدّه إلى حالة من الهيام والاستكانة، لذلك أطلق عليه مروة «شاعر الكبرياء» وهذا اللقب في غير محله في علاقة الشّاعر مع المرأة، لهذا لا يمكن أن نصنفه مع المحبين، إنّ نفس عمر أبو ريشة تعشق كل ما يوصل إلى داخله الرغبة، فكلّ حسناء هي موضع اهتمامه وإعجابه، هو عاشق للجمال أولاً وأخيراً.. الجمال الذي يعيش معه مغامرة لا حالة حب بهذا كل النساء سواء عنده.
مقارنة فرضت نفسها بعض الشّيء في محاور النّدوة، يقول غنيم: معظم قصائد «عمر أبو ريشة» تنكر حالة هجران المرأة له، وهذه لها علاقة بطبيعة عمر أبي ريشة ورغبته بالتّنقّل من امرأة إلى أخرى أو ثمّة شيء ربما في نفسيته ربما كانت الجلافة البدوية تنفر النّساء منه، يضيف: لو لم يكن نزار قباني قد انجذب إلى الشعر لكان أهم القاصّين لأنّه من أقدر النّاس على التقاط الجزئيات وإشاعة ما تمكن تسميته اللحظة التنويرية وكذلك فعل عمر أبو ريشة.
أعباء فكرية كان لابدّ لها من لغة قوية، وهذا ما امتلكه عمر أبو ريشة فكان مبدعاً ومتفوقاً في الوصف والتصوير، يقول الدكتور محمود سالم: لا علاقة للوصف بالرغبة، بل يأتي نتيجة التأثر بما توصله الحواس، لذلك هو حرّ بما يقدّم صوره، الخيال المحلق والثقافة المتنوعة والذخيرة اللغوية كلها عناصر للوصف المميز.
موضوعات كثيرة اشتغل عليها أبو ريشة، لكن الدكتور سالم أوجزها في ثلاثة: الأوّل الطبيعة بمكوّناتها المختلفة وانعكاسات الزّمان عليها، أمّا الثّاني فهو وصف الآثار والأوابد والأماكن واستخلاص العبر منها، بينما تفرد بالثّالث وهو وصف الأعمال الفنية من نحت وتصوير، مبيناً أنّ أدوات وصفه تنوعت بين التشبيه والاستعارة والرمز والوصف، وصف مباشر أو عبر تجسيد الأفكار والأنسنة… يضيف سالم: تنوعت ألوان وصفه بين وصف خارجي يقدم المشهد للمتلقي من غير أن تكون له يد، وآخر أن يزج بنفسه في المشهد ويتماهى مع الموصوف، لتكون غايته من الوصف جمالية وتعبيرية، ويكون وصفه عميقاً وعبر طريقة بديعة مفيدة وجميلة وتؤدّي المراد.
ولأنّ الشاعر «عمر أبو ريشة» اشتغل بالسّلك الدّبلوماسي، وتنقّل كثيراً حاله حال الشّاعر نزار قباني، وهو بحسب الدّكتور إسماعيل مروة السّفير العربي الوحيد الذي طلبته إحدى الدول التي كان فيها مرة ثانية لصداقته وعمله، كما كان يجمع السّوريين واللبنانيين في المهجر ولم يكن يقبل أن يحتاج أي شاعر أو أديب في بلاد الاغتراب، لذلك كان يقدّم راتباً من السّفارة للشّعراء السّوريين والعرب بموافقة وزارة الخارجية، من هنا جمع بين ثقافتين غربية وعربية، يقول الدكتور ثائر زين الدين: من أهم ميزات «عمر أبو ريشة» انفتاحه على الآخر إنساناً وثقافةً، وقدرته الخلابة على الإفادة من ذلك وتوظيفه معنوياً في نصب جديد، لقد كانت تجليات الانفتاح على الآخر وقبوله ساطعة في مضمارات عديدة منها التّراث والأماكن والشّخصيات والفن العالمي، عمر من أقدم شعراء العرب الذين وظفوا الفن التّشكيلي بصورة جميلة، مستشهداً بقصيدة أبي ريشة عن ديك الجن وتقاطعها مع قصيدة لشاعرة روسية تسبقه بأعوام كثيرة..

print