لا يأتي أحد منا بجديد، حين يقول إننا في سورية نفتقد القدرة على صناعة النجوم في عالمي الغناء والإعلام وسواهما الكثير، لكن تلك المسلمة لا تبدو كافية وحدها لتبرر تراجع الأغنية السورية وتخلفها عما حققته الدراما السورية من شهرة واسعة في الوطن العربي والعالم، ولاسيما أن كلتيهما، أي الأغنية والدراما، خرجتا من العباءة المحلية لتصنعا انتشارهما عربياً، وقد استطاعتا في بداياتهما أن تحققا الحضور ذاته، بل تجاوزت الأغنية السورية المسلسل التلفزيوني في البداية، بحكم إرث حضورها في الإذاعة، إذاعة دمشق، بالتحديد، التي بدت منصة لانطلاقة النجوم، وعلى رأسهم السيدة فيروز.
لكن الأغنية سرعان ما تراجعت لمصلحة المسلسل التلفزيوني في حضورهما العربي والمحلي، ولاسيما مع انطلاقة الفضائيات العربية وما فرضته هذه الأخيرة، من متطلبات خاصة تتعلق بطبيعتها كشاشة مفتوحة على العالم بأسره.
بالقياس مع حضور المسلسل التلفزيوني السوري، لم يكن مطلوباً من الأغنية السورية أن تغادر محليتها، إذ لم يفعل المسلسل التلفزيوني ذلك، وإنما كان عليها أن تتجه عربياً على نحو مماثل لما فعلته الدراما السورية، وكيف يكون ذلك..؟
باختصار، كان مطلوباً من الأغنية السورية أن تمعن في محليتها قبل أن تتجاوزها نحو تقديم صوتها الخاص عربياً، صوت سوري يجد فيه المشاهد العربي ما يخصه، ولأن الصوت هنا إحساس أكثر من كونه لهجة محكية، تبدو مهمة الأغنية السورية في الانتشار العربي أسهل مقارنة بالمسلسل التلفزيوني، لكن ذلك لم يحدث.
الصوت الخاص للأغنية السورية، ليس شرطاً للانتشار عربياً وحسب، وإنما هو شرط لازم للحضور المحلي أيضاً، وإلا لماذا نحب ويحبون في العالم العربي القدود الحلبية، على سبيل المثال..؟ وهل يخامر الشك فينا أحداً بأن أغنية لم تستطع أن تنل حظوة بين أهلها، ستناله وسط جمهور غيرهم..؟!
الحديث السابق كله هو بعض من أسباب المشكلة وليس كلها، فالتسويق الإعلامي والإنتاجي كان عاملاً حاسماً أيضاً في انتشار المسلسل التلفزيوني السوري، وتالياً سبباً أساسياً في نجاحه، وهو الأمر الذي أخفق به الإعلام ودوائر الإنتاج في سورية فيما يتعلق بالأغنية السورية، ولنكن واقعيين بالاعتراف أن الحضور العربي الكبير للأغنية الساحلية، ممثلة بالفنان علي الديك وسواه، ما كان ليتحقق لو لم تخرج هذه الأغنيات إلى دائرة الاهتمام الإعلامي العربي، اللبناني تحديداً، ولنعترف أن التسويق الإنتاجي على هذا الصعيد ساهم في تكريس حضور هذا النمط الغنائي وانتقاله من طفرة «سمرا وأنا الحاصودي» إلى واقع مستقر لنمط غنائي ينتشر ويمتد.
ولكن تأثير التسويق الإنتاجي في نجاح الأغنية المحلية سيبقى سلاحاً ذا حدين، ولكي نفهم ذلك علينا أن نتبع اليوم كيف ساهم شرط التسويق الإنتاجي الدرامي في تراجع نجاحات المسلسل التلفزيوني السوري عربياً ومحلياً وافتقاده محليته أيضاً، بعد أن ساهم في هذا النجاح من قبل.
وكما نقف اليوم لنقول إن مسلسلاً يتكلم اللهجة السورية ولا يشبه السوريين ليس نجاحاً للدراما السورية، نقف لنقول أيضاً إن حفلات (الظاهرة) عمر سليمان في العالم ليست انتشاراً للأغنية السورية، ونجاحه هذا ليس النجاح الذي ندعي البحث عنه.

print