تستحضر رواية (سكينة ابنة الناطور) لسلمى حداد مضمون المثل الشعبي المتعلّق بالخيار بين (أكل العنب، وقتل الناطور)، الرواية التي تجري أحداثها ضمن هيكل رومانسي صريح، معبّأ بما يبدو تقويضاً له من عناصر واقعية قاسية، وعناصر أخرى فرضتها (هندسة المعنى) داخل النص الذي يستبدّ بلغته ميلٌ أصيل إلى استعمال المجاز الوافد من فضاءات الشعر الذي بدا مستبدّاً بالكاتبة إلى درجة الاستغراق. الهيكل الرومانسي هو ذاته هيكل قصّة (سندريلا) الفتاة الفقيرة المظلومة التي يتزوّجها الأمير. وفي الرواية السورية تُناط ممارسة الظلم بأبي البطلة، الأب الفظّ المتخلّف السكّير الذي حشدت الرواية جميع ما استطاعت حشده لتصويره والداً أنانياً ظالماً، يضرب زوجته وأولاده بقسوة وحشية لأتفه الأسباب، يعبد اللذة والمال، وغير ذلك من الصفات التي تجعل الهرب من جحيم هذا الأب المتوحّش مطلباً للقارئ، قبل أن يكون مطلباً وحيداً لابنته الجميلة الذكية، النبيلة أيضاً، وسبيلاً حصرياً للفوز بالخلاص والنجاة على أيدي الجار الدمشقي/ الباريسي الثريّ النبيل (وليد)، الذي حرمته الرواية من الأم، ومن الزوجة الفرنسية، ومن السلامة البدنية الكاملة، فتزوّج سكينة المسحوقة في سبيل إنقاذها، وقتما كانت على مشارف التخرّج في جامعة دمشق، طار بها إلى باريس بوصفها واحة للخلاص، وملجأ للنفوس المرهفة المقهورة.
تمثّل بعض العناصر الواقعية بالأخ غير الشقيق لسكينة (جاسم) الذي منحه والده سلطته الذكورية القادمة من أقاليم التخلّف الشرقي، إذ كان يفتعل أدنى المناسبات شأناً للحطّ من كرامة أخته المتفوّقة، والانهيال عليها ضرباً بأشدّ الوسائل البدائية التي يباركها الأب، وتعجز عن ردّها الأم، وهي ترى ابن ضرّتها يفعل ما يفعله بفلذة كبدها.

حشت الرواية شخصية جاسم بمختلف الموبقات التي يزخر بها التخلّف الغارق برائحة الفلافل التي غزت خيشوم الرواية من مبتداها إلى منتهاها. فالأب ناطور المدرسة، وزوجته مستخدمة في المدرسة ذاتها، وكان بيع شطائر الفلافل مصدراً أساساً من مصادر الدخل الضئيل الذي يبقي الأسرة الفقيرة على قيد الوجود، وكانت سكينة الفتاة البارّة المثالية، تساعد أمها في إعداد الشطائر، ولم تكن تجد سوى قطرات من المازوت لتنظيف يديها من روائح البصل والثوم.
في الفضاء الباريسي يتغيّر كل شيء، تحصل سكينة على الدكتوراه من جامعة السوربون، ثم تشتغل أستاذة في الجامعة ذاتها، وهنا يتدخل المنطق الرومانسي لفرض ذاته حائلاً دون اكتمال فرح أحد بشيء، فوليد الزوج الثري النبيل يموت بنوبة قلبية، ثم تموت (سكينة) بمرض السرطان الذي اعتُمد سبباً شائعاً للموت المعاصر، على غرار الموت بمرض السلّ الذي اعتمده الرومانسيون.
اجتهدت الكاتبة كل الاجتهاد لإقناع القارئ بمدى الظلم، وقسوة التخلّف الذي حكم حياة سكينة، فأجبرها على الفرار بوساطة الزواج، لكن الكاتبة خلال (هندسة المعنى) كانت أكثر قسوة من التخلّف المرسوم بعناية داخل الرواية، لقد حكمت على سكينة بالموت البطيء بسبب السرطان، وحكمت على زوجها بالعقم الطبيعي، ثم حكمت عليه بالموت، وتمثّلت رحمة الكاتبة عبر جعل بطلتها كاتبة تخلّف عدداً من الروايات، والدراسات بدلاً من خلفة الأبناء، ومنحتها أيضاً قبراً أنيقاً في باريس.
لا مفرّ من الامتداد بالشخصية الروائية إلى ما تمثّله على أرض الواقع السوري: وليد عقيم وعليل، وغير مبال بثروته التي التهمها ابن شقيقته، ما يعني حكماً على شريحته بالهلاك إفلاساً، ووجوداً اجتماعياً فاعلاً على النطاق السوري. وحكمتْ الكاتبة على البيئات السورية الفقيرة بما هو أقسى، حكمت عليها بالرسوف الأبدي في أغلال التخلّف، وإذا استطاع أحد من هذا المنبت الفقير أن يخرق سقف التوقعات كسكينة فمآله الموت عقماً وهلاكاً، وحتى في ثنايا الحلّ، الذي اقترحته الرواية للتزاوج بين الثراء المديني والذكاء (الريفي)، فالمآل مآل فاشل، وكأنّ ما حدث في سورية على مدار عشرات السنوات من ممارسة الاتحاد بين الثراء المديني والذكاء الريفي الفقير هو حدوث مجاني محكوم بنهاية صارمة متحدّدة بالموت بوساطة العقم الذي يمكن عدّه الشكل الأقسى للموت.

print