ينكفئ «سامر محمد إسماعيل» في عرضه الجديد «تصحيح ألوان» إلى الزمن الماضي، محاولاً إلقاء الضوء على مرحلة من ثمانينيات القرن المنصرم، من خلال سعي «مايا.. ميريانا معلولي» الانتقام لوالدها الكاتب اليساري «اسكندر ياسين» من صديقه «جابر.. يوسف المقبل» الذي دسَّ له منشورات أدخلته السجن عشرين عاماً، ثم سرق مكتبته بما فيها مخطوط رواية «الخوف» التي نال عليها جائزة أدبية رفيعة لا يستحقها، رغم أنه نشر قبلها أربع روايات لم تُحدِث أي أثر لدى القراء، فما كان من الابنة إلا التنكُّر بشخصية الصحفية «رشا» من أجل فضح «جابر» أدبياً وأخلاقياً عبر لقاءٍ مُسجَّل بالفيديو لموقع إلكتروني ويُبَثّ مباشرةً عبر الفيس بوك من دون علم صاحب الجائزة.
هذه الحادثة الشخصية التي من الممكن أن تحدث لدى أي نخبة سواء في اليسار أو اليمين أو حتى في التيارات المحافظة، لم تفضِ إلى «تصحيح ألوان» حقيقي في بعده الإنساني أو على مستوى الكثافة الدرامية أو حتى الصراع التاريخي، بقدر تعزيز لون أو ألوان محددة على حساب أخرى، وكأن ثمَّة مواربة بين العنوان والمتن، فالسِّجال الصحفي والأسئلة الاستفزازية كانت كاشفةً للكثير من الحقائق عن «جابر» فقط، ماضيه وبعضُ حاضره، وكيف انتقل من إخراج دعايات العلكة و«برش» الغسيل إلى صفقات الدعارة الثقافية، حيث إن أسئلة «مايا» قامت بتعريته، ولاسيما عبر حكاية «راشد الماوردي» الشخصية الغائبة في الرواية موضوع النِّقاش، فضلاً عن سعي الابنة للحصول على اعتراف مسجَّل منه بأنه روائي زائف و«عفِّيش» مقالات مُتمرِّس، فعلاقاته مع الفنانين التشكيليين وبعض المثقفين ومعرفته لعناوين الكتب ليست إلا تغطية لعُقد نقصه الكثيرة، ولاسيما تلك التي يعانيها تجاه والد مايا المثقف والقيادي في رابطة العمل الشيوعي، الذي يتهمه باستمرار بأنه مُتعال ومغرور ومستأثر بـ«سليمى» ممثلة المسرح، رغم أنه يعرف أنها حب حياة جابر. انصبّ ذلك ضمن نص بنيته سردية غير متماسكة، ما أضعف الصراع الدرامي وخفّف وهجه، في حين كان من الممكن تعزيز العمق النفسي للشخصيتين والارتقاء إلى ذرا درامية حقيقية، خاصة أثناء تبادل أدوار القوة والسيطرة، فعندما تتكشف معظم أوراق «جابر» وترتقي إلى مستوى فضيحة علنية، وببث مباشر عبر الفيس بوك، يعود الكاتب الخائن، الوغد،… ليبث سمومه وينتصر لأحقاده الدفينة، لتأتي نوبة الصرع التي أصابت «مايا» كحل درامي ضعيف جعل كفة الميزان تميل بقوة لمصلحة الشر وانتصار الشيطان، وكأن هناك تخفيفاً لسطوة الحقيقة أمام المنتصرين الواقعيين، فصوت الحق انتهى في حقيبة سفر حمراء، بينما احتمالات النجاة بالنسبة للأوغاد مازالت مشرعة الأبواب، وكأننا فعلاً أمام فصل ناقص من «الرواية المسرحية»، لا يعير الاهتمام لإكمال الصورة، بقدر القفز على رؤوس الأصابع فوق هفوات النص غير المُغلق تماماً، ولاسيما في ظل مقولة تائهة للعمل، فلا قراءة عميقة لمرحلة الثمانينيات بتداعياتها الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، أو حتى الحزبية، إن شئنا التخصيص أكثر، التي شهدت تطرفاً دينياً كان في أشدِّه عند «الإخوان المسلمين»، ونحن الآن نشاهد ما يفعله الفكر الوهابي المتطرف من إمعان في الإرهاب، ما يُحيلنا إلى الاستغراب ثم التساؤل عن أسباب الاقتصار على تناول اليسار بتلك الطريقة بعيداً عن الصورة الكاملة، وجميعنا يعلم أن من بينهم طبقة من المثقفين تحمل سمات تنويرية لا يمكن لأحد إنكارها، والأهم أن العرض اتخذ سمة التعميم من دون وجه حق، كما أنه لم يحمل إسقاطاته على الحاضر.
ثم ما المسوغ الدرامي لخوف صاحبة الحق «مايا» من غريمها رغم أن كل عناصر القوة بيدها، فإضافة إلى امتلاكها المعرفة وكاميرا ومسدس وبث مباشر وخيار التحدي، إلا أنها كانت متوترة إلى الحد الأقصى منذ بداية دخولها لإجراء المقابلة الصحفية؟ ولماذا أغفل «إسماعيل» إمكانية انقضاض «جابر» على «مايا» رغم توافر العديد من الفرص لذلك، بينما هي متأثِّرة بسردياته عن خيانات أمِّها لأبيها معه، وعن غرور وتسلُّط والدها وحبِّه لذاته؟ ثم إذا كُنَّا نُريد لشخصية «جابر» أن تبدو بمنحى من المناحي كيهوذا الإسخريوطي، ألم يكن من الأفضل أن تكون مُتَّزنة أكثر، ولا تشي تصرفاتها منذ بداية العرض بمكنونات الشر وبذور «الوغدنة»؟ ففي مداعبته لوجه الصحفية منذ بداية العرض، ووضعها أمام خيار وحيد للمشروب الروحي، والظهور بمظهر المُتحذلِق المُتعالي، إفقار لسطوة الشر الكامن، التي كان من الممكن أن تتبدى شيئاً فشيئاً في تصعيد مدروس أكثر.
أيضاً مادام «جابر» يتهم والد «مايا» بأنه باع أصدقاءه ورفاقه كي يظل زعيماً للرابطة «رابطة العمل الشيوعي» فكيف يُبرَّر دخول «اسكندر» السجن؟ ثم ما الذرائع الدرامية المنطقية وراء سعي «جابر» للهجرة بعد نيله الجائزة؟
كل ذلك وغيره انعكس على أداء الممثلَين اللذين كانا في حيرة سبَبُها تكوين شخصية كل منهما غير المركبة، وعدم تمتعهما بكثافة إنسانية، فـ«يوسف المقبل» ابتدأ حديثه السردي بمونوتون صوتي واحد، بلا تلوينات، باستثناء لحظة انفجاره ليدافع عن نفسه تحت تهديد السلاح، أما المشكلة الدرامية المتمثلة في أن طبيعة الصراع لا تسمح بالتحولات في الشخصية، وحدِّ فاعلية «مايا» بنوبة صرع انعكس على أداء «ميريانا معلولي» فبَدَتْ مجرد محاورة صحفية وليست صاحبة قضية مستشرسة في الدفاع عنها.
غياب الغنى الدرامي في رسم ملامح الشخصيتين وازاه فقر في السينوغرافيا، ولعل محاولة المؤلف أن يكون نصُّه قريباً من الواقعية جعل المزاج الضوئي طوال العرض ذا لون واحد، ما عدا إضاءة اللوحة التي تمايزت حسب السياق الدرامي لذكر شخصية «سليمة» صاحبة البورتريه، أما الموسيقا فغابت بعد الافتتاح بأغنية «معاذ الله» لفهد يكن ما عدا شذرات من ألحان معاصرة، في حين اقتصر الديكور على كراتين ملأى بالكتب مع كرسيين ولوحة، ومسجلة كاسيت باح من خلالها «اسكندر» باعترافاته بصوت أيمن زيدان الذي شدَّنا مُحقِّقاً نقطة درامية مضيئة في هذا العرض، ولاسيما عندما قال: «السجن كان موتاً.. وهذا الموت أسهل من رؤية البلاد التي حلمنا بها يوماً تغرق في عمى الألوان»، ورغم أن «جابر» نزع الشريط الممغنط من الكاسيت، إلا أن فضيحته فيسبوكية، بمعنى أن المجاهرة بالحقيقة لم تعد حكراً على شخصين في مكان مغلق، وإنما اتسع نطاقها لتشمل القرية الكونية، لكن من دون وعي درامي مُحْكَم، انتقل من الواقعية إلى رمزية غير مُقنعة جعلت نهاية العرض بمنزلة هروب من المجاهرة وهشاشة في الاقتران براهنية «الآن» التي لم تتم إلا من خلال انقطاع الكهرباء والاستماع إلى أصوات سيارات الإسعاف!

print